آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

هل تصوير مقاطع التحرش جريمة؟

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

التصوير انتهاك لحق الخصوصية في الظروف العامة والأحوال الاعتيادية، لكن في حال انتهاك كرامة الإنسان كقضية ضرب أو تحرش فكل المواثيق الدولية الحقوقية تؤكد على أهمية رصد وتوثيق هذه الانتهاكات

في الأسبوع الماضي قرأت خبرين: الأول، بعنوان: ”كاليفورنيا تحارب التحرش الجنسي في الجامعات“، والثاني بعنوان: ”فرنسا تحارب التحرش الجنسي في وسائل النقل“. قانون العقوبات في الولايات المتحدة الأميركية، يواجه المتحرش جنسيا فيها عقوبة تصل إلى السجن مدى الحياة وغرامة قدرها ربع مليون دولار. وفي فرنسا، صوتت الجمعية الوطنية على قانون جديد يتعلق بالتحرش الجنسي يتضمن فرض عقوبات أشد على المدانين به، ويرفع النص الجديد عقوبات التحرش إلى سنتين و30 ألف يورو غرامة، مع إمكانية تشديد العقوبات في بعض الحالات، إذ ترفع العقوبة إلى ثلاث سنوات في بعض الحالات والغرامة إلى 45 ألف يورو.

عليك عزيزي القارئ أن تنظر إلى التعليقات التي يتركها مغردو ”تويتر“ تحت هذه الأخبار ستجد أن بعضهم يتحدث عن أهمية تضمين نصوص جديدة تغلظ عقوبة المتحرش، وبعضهم يسمّيهم ”الخنازير“ الذين يجب التخلص منهم وردع أمثالهم بأشد العقوبات، وبعضهم يشبهونهم ب ”التماسيح“ للتنديد بالتمييز بين الجنسين التي تطال حق النساء في التمتع بالأمان في الفضاء العام، وتحد من وجودهن ومن تنقلاتهن فيه، ثم قارن بينهم وبين ما يتركه بعض المغردين السعوديين في تعليقاتهم على حادثة التحرش الأخيرة التي وقعت قبل أيام أوقف فيها شابان تحرشا بفتاتين في مجمع تجاري شرق المملكة ستجد التعليقات: كيف توجد امرأة في المجمع وتتوقع أن لا أحد سيتحرش بها؟ ماذا كانت تلبس؟ ما لون العباءة؟ ما الذي فعلته كي تثير غريزة المتحرش؟ والآخر يجيب: ”إنها بسفورها ولباسها وهيئة عباءتها وتوسعها وتساهلها في الاختلاط هي مصدر البلاء، هي المسؤولة عن حدوث جريمة التحرش بها وليس الجاني، فهي التي تزينت أو خرجت دون محرم أو سارت في طريق خال من المارة ما دفع الجاني للتحرش بها“!

هناك دائما بحث في منطقة الضحية لا في منطقة المجرم، ومن يبرر التحرش بهذا المنطق يقدم منطقا عاما لتبرير الجريمة في المجتمع، إذن.. لماذا نلوم من يسرق؟ إنه فقير والإنسان بطبيعته الغريزية يحب المال؟!! ولماذا نلوم الإرهابي؟ فله حججه ومبرراته؟!! ولماذا نلوم العنصريين؟ هؤلاء لهم حججهم فلطالما وقعت عليهم العنصرية؟! إفساح المجال لهذه الثقافة يؤدي بالضرورة إلى ضياع البوصلة الأخلاقية ومن ثم تبرير كل أنواع الأعمال غير الإنسانية. والأدهى والأمر أن بعضنا يمتلك براعة فائقة في العقل التبريري فاستطاعوا بكل ما يمتلكونه من رصانة التبرير أن يحولوا جريمة التحرش إلى مخالفة تصوير في مكان عام! نعم أتفهم تماما أنه من الناحية الحقوقية يعد التصوير انتهاكا لحق الخصوصية هذا في الظروف العامة والأحوال الاعتيادية والطبيعية، أما إذا كان في حالة انتهاك لكرامة الإنسان كقضية ضرب أو تحرش فكل المواثيق الدولية الحقوقية تؤكد على أهمية الحق في رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والتوثيق المرئي يعد إحدى هذه الآليات، فليس من المنطق أن شاهد عيان يرى إنسانا تنتهك كرامته في مكان عام ثم يخاف توثيقها بزعم أنه انتهاك لخصوصية الآخرين!! هذه تعتبر إسقاطات في غير محلها وغير مستساغة إنسانيا، بل هو في نظري مشارك في الانتهاك.

أخير أقول: المواطن في هذا العصر هو الإعلامي الأول الذي ينقل الانتهاكات، فهو مجرد شاهد عيان على الأحداث وينقلها وليس طرفا في صناعتها.