آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

الإرهاب مرة أخرى

سلمان محمد العيد

وعاد الإرهاب يطل برأسه مرة أخرى، ويقدم هدية ثمينة لدعاة الطائفية والمذهبية، بعد أن قام شاب سعودي يوم الجمعة «2 شعبان 1436، 22/مايو/2015» بتفجير نفسه بحزام ناسف وسط عدد من المصلين الشيعة في مسجد الامام علي ببلدة القديح بمحافظة القطيف، فأهلك نفسه، مخلّفا وراءه عددا من الشهداء والجرحي، بعملية طالما تكررت في أكثر من بلد عربي، خصوصا العراق...

وقد تمت العملية في منطقة تقع على بعد بضع كيلومترات من بعض آبار النفط، وبعض المجمعات الصناعية في الظهران والجبيل والدمام، ما يعني أن العملية قد تخلف آثارا سلبية على الاقتصادالوطني، فالمنطقة التي تجتذب المليارات من الاستثمارات المحلية والأجنبية تتعرض إلى هجوم ينسف استقرارها واستمرارها في العطاء من هذا الجانب، فالمستثمر الأجنبي سوف يضع في حسبانه مسألة الاستقرار الأمني  مع كافة مقومات المناخ الاستثماري  لكي يقرر أن يستثمر.

بالتالي فالأمر خطير، بل خطير للغاية، فالاقتصاد يتعرض لخطر، وبلادنا تفاخر الأمم والشعوب والحكومات بقوة اقتصادها، ففي حال تكرر مثل هذا الفعل فهل نتصور أن تكون بلادنا عنصر جذب لمستثمر أجبني، إذا ما انتشرت وشاعت مثل هذه الأجواء المعبأة بالعنف، والمليئة بلغة الدم والقتل، ولنا شواهد كثيرة في دول مجاورة، فهل أحد يجرؤ على الاستثمار في العراق او سوريا على سبيل المثال.

والأمر الثاني، أن العملية نفذها مواطن يحمل التابعية السعودية، بحق مواطنين كلهم من الجنسية نفسها، فمواطن يقتل مواطنين، ما يعني أن العملية تهدد الوحدة الوطنية، التي نفتخر بها، وتتباهى بها صحافتنا المحلية المتنورة، فالوحدة الوطنية جاء من ينسف جدارها، ويقصف أسوارها، ويتخطى حدودها، تلك الوحدة التي طالما تغنّى بها بعض الكتّاب والصحفيين وهي خط أحمر، هذا الخط تخطّاه مواطن يدعى أبو علي الزهراني، الذي لا يمكن مقارنة ما قام به مع أي شخص آخر وصف بالارهاب والعمل ضد الوحدة الوطنية مثل الشيخ نمرالنمر.

من هنا فالوحدة الوطنية باتت على المحك، فمواطن يقتل مواطنين، وربما يحدث في المستقبل تبادل للقتل والسحل، فهذا يقتل ذاك، ففي هذه الحالة تترشح البلاد لأن تدخل نطاق الحرب الأهلية، والتي إن ابتدأت لن تهدأ ولن تتوقف ولدينا شاهد كبير هو لبنان، الذي دخل في العام 1975 أتون الحرب الأهلية المسلحة، وإلى اليوم هو يقاسي ضراوة تلك النار، والحرب هناك أخذت بعدا آخر.

والأمر الثالث، إن النطاق الجغرافي للعملية تم في بلدة القديح بمحافظة القطيف، وهي منطقة يتبنى أهلها المذهب الشيعي، ومن قام بعملية التفجير وإهلاك الأرواح البريئة شخص ينتمي الى المذهب السني الحنبلي على طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وهو مذهب بلادنا الرسمي، فالمسألة تنطوي على بعد طائفي بامتياز، أي ان الدوافع للقيام بهذه العملية هي دوافع طائفية مذهبية بلا جدال، فهي جريمة موجهة ضد الشيعة، نفذها شخص سني عربي سعودي زهراني!!

بالتالي فالطائفية  بعد هذه العملية  باتت قائمة في بلادنا بصورة لا تقبل النقاش، وأخذت بعدا خطيرا هو الدم والقتل والأحزمة الناسفة، وما يؤسف له حقا أن من قام بهذه العملية يزعم لنفسه الإسلام والجهاد، ويرى نفسه سوف ينال الشهادة بعد قتله عددا من الشيعة الرافضة.

وتبعا لذلك، فإن الحالة الطائفية التي كنا منزعجين منها، وهي التي كانت في حدود التجييش اللفظي، نراها قد أخذت طريق التصفية الجسدية، فالتفاهم والحوار بات يعتمد لغة الدم، أي ان الطائفية باتت دموية، فمنفذ الجريمة انطلق من دوافع مذهبية، وقيل أنه قد دخل برنامج مناصحة، كان من ناتجها هو اللجوء الى هذه العملية، والنتيجة من كل هذا القول أن الذي يقول أن بلادنا ليست طائفية عليه أن يزيل الغشاء من على ذهنه، ويعيد النظر في تفكيره.

وبناء على كل ذلك يجدر بنا التوقف قليلا عند ظاهرة معينة، وهي أن بلادنا وبعد بعد الهجوم السعودي على الحركة الحوثية في اليمن، وما جرى من حوادث تحت إسم عاصفة الحزم وإعادة الأمل، ارتفعت النبرة الطائفية في وسائل الاعلام السعودية والتابعة لها، وكذلك الأصوات في الخطب، ومواقع التواصل، والقنوات الفضائية، وتركز الحديث عن الشيعة ومشروعهم الصفوي، وعدائهم تجاه السنة، واتجه الحديث صوب التشيع كمذهب، وصوب الشيعة كطائفة في كل مكان، مركزين على خصوصياتهم كالتقية وولاية الفقيه والمهدي المنتظر والموقف من الصحابة.... الخ، وهي عقائد طالما شرحها الشيعة في كتبهم، ومن يطلع عليها بشكل واع يكشف براءة الشيعة من كل التهم التي تلصق بهم تحت هذه المسميات، لكن الآخر  كما يبدو  لم يفهمها بشكل صحيح، أو فهمها وأصر على التعاطي بالخطأ معها، هذه الحالة كانت موجودة منذ زمن بعيد، حتى قبل انتصار الثورة في إيران، ولكن تمت إعادة انتاجها بصورة فجة وعدائية في الأيام الماضية.. وطالما دأبت هذه الوسائل الاعلامية والمنابر والدراسات على تصوير الشيعة على أنهم خطر على الإسلام، وخطر على الأمن الداخلي، وخطر على كل شيء عربي، فقد تم إظهار الشيعي واليهودي في صورة واحدة، بل الشيعي لديهم أخطر، ذلك بعيدا عن الصراع القائم مع دولة ايران الشيعية، وبعيدا عن خلافات حكومتنا الرشيدة مع الشيعة في كل مكان.. ففي مثل هذه الأجواء لا بد أن يظهر مثل هذا الإرهابي الذي يعتقد أنه بفعله سوف يدخل الجنة، وسوف يخدم الإسلام، وسوف يكون في قائمة الشهداء، وهذا ما حصل فقد ظهر من يشيد بعمله ويترحم عليه ويدعو له.

وفي المقابل، وكلما ظهرت الدعوات الواعية  من الشيعة والسنة  لتجريم الافعال الطائفية، ومحاربة الأفعال ذات البعد الطائفي، تقابل بالرفض الرسمي ونجد الزيادة في الطرح الطائفي يوما بعد يوم، بدليل ان قناتي وصال وصفا وكلاهما يبثان سمومهما الطائفية من بلادنا الحبيبة، بعكس القنوات الشيعية التي تحمل التوجه نفسه، والتي تبث من الخارج ولا علاقة مباشرة لنا كشيعة في السعودية معها.

وتبعا لذلك، مازالت مناهجنا العلمية، ومنابرنا الثقافية، وجامعاتنا الموقرة، فضلا عن الديوانيات والاستراحات ومواقع التواصل جميعها تعج بالعداء ضد الشيعة، والعمل على مقاومتهم، فالشيعة باتوا خطرا على الأمن الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، بينما لو دققنا في الأمر لوجدنا العكس هو الصحيح.

اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة، جريمة تتم في يوم الجمعة، في صلاة الجمعة، في مسجد الأمام علي، بحق جماعة يلهجون عاليا بصوت الأذان، وبالشهادتين، ومع ذلك يتم استباحة دمهم من قبل مواطن يشترك معهم في الدين والوطن واللغة، على أنهم ”كفرة مبتدعة“.. تلك والله كارثة ما بعدها كارثة.