آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:43 ص

محنة رجال الدين

سلمان محمد العيد

يتواجد رجال الدين في الكثير من تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع الشيعة في السعودية، وينظر الناس إلى رجل الدين نظرة قداسة، ربما تكون منقطعة النظير.

- فمن جهة يقوم رجل الدين بعملية التنوير والتوجيه الثقافي والاجتماعي من خلال المنبر الحسيني، أو من خلال الكتابة والتأليف، فرجل الدين الشيعي قد يكون خطيبًا كاتبًا، شاعرًا ذا حضور في المحافل الثقافية والأدبية بصورة واضحة.

- ومن جهة أخرى يقوم رجل الدين بدور اجتماعي كبير، فهو الذي يجري عقود الزواج، ويفسخها بالطلاق أو الخلع، ويعمل على حل المشاكل الأسرية، إذ يتم اللجوء إليه لحلّها، وبحكم موقعه يمارس دوره في هذا الجانب لذا فكل قصص الخلافات الأسرية ومشكلاتها ومقترحات حلولها يمكن الحصول عليها لدى رجال الدين.

- ومن جهة ثالثة يقوم رجل الدين بجملة مهام هي من صميم دوره وتخصصه كرجل دين وهي صلاة الجماعة، إرشاد الناس في الحج، وشرح الأحكام الشرعية المتعلقة بالمناسك، والحال نفسه بالنسبة لشهر رمضان المبارك، لذا لا تجد رجل دين لايقوم بمثل هذه المهام، وبعضهم يعقد حلقات يومية بعد الصلاة، خصوصًا بعد صلاة الجمعة لشرح بعض الأحكام الشرعية.

- ومن جهة رابعة يقوم رجل الدين مقام المرجع الأعلى للشيعة من جهة أخذ الحق الشرعي من الناس «الخمس، الصدقات، الهبات، الكفارات» ومن ثم صرفها في مواضعها المنصوص عليها، مثل خدمة الفقراء، ورعاية الأرامل، وكفالة الأيتام، ودعم المساجد والحسينيات، ورعاية طلبة العلوم الشرعية.

- ومن جهة خامسة، يقوم رجال الدين بالتصدي لشؤون الناس العامة، كممثلين لباقي المواطنين، فقد حدث طوال التاريخ ان قام رجال الدين بموقف عام لمنع الحيف والظلم على الشيعة من قبل غلاة السلفية، خصوصًا في السنوات الأولى لدخول القطيف تحت الحكم السعودي، حينما جاء ما يطلق عليهم بـ"الأخوان" وقاموا بإجراءات طوائفية، دفعت رجال الدين لتشكيل وفد من رجال الدين لزيارة الملك عبدالعزيز وحل الإشكالية، ومثل هذه المواقف كثيرة. وفي العقود الأخيرة صاروا زعماء للإصلاح السياسي والاجتماعي.

- خلاصة الأمر أن رجل الدين الشيعي في موقع مؤثر بشكل كبير، فلا تجد مشروعًا اجتماعيًا أو منبرًا ثقافيًا، إلاّ وهناك رجل دين يتدخل فيه بصورة أو بأخرى، إذا لم يكن هو كل شيء فيه، والناس - في الغالب - يطلبون من رجال الدين التواجد في محافلهم الثقافية والاجتماعية، ويستمعون لتوجيهاتهم ونصائحهم ومقترحاتهم في كثير ن الأحيان..

فالثقافة الشيعية تقدّس رجل الدين الفاعل، وتتفاعل مع طروحاته، وبما تنضوي تحت رايته وقيادته، حتى لو تحملت بعض المخاطر. وذلك من خلال جملة من الأحاديث والروايات التي تقدس العالم العامل بعلمه، خادم الناس والساعي لحل مشكلاتهم ورفع شأنهم، وتنتقد علماء السوء المتخاذلين المتخلّين عن دورهم في المجتمع، ويتداول الناس في مجالسهم ومنتدياتهم فضلاً عن الدراسات والكتب التي تصدر تباعًا عن سيرة النبي ﷺ وسيرة أهل البيت في التصدّي لمشاكل المجتمع، وخدمة الناس، فهناك من الأئمة من صار حاكمًا ومن قاوم الظلم حتى سفك دمه، أو أعتقل لسنوات طويلة من عمره، أو من تم نفيه وتهجيره، واغتياله.. فضلاً عن قصص كثيرة تورد واقعًا من حرصهم على مساعدة الأيتام والفقراء والضعاف من الناس.

والشيء بالشيء يذكر، فإن من أبرز نقاط التماس، والخلاف في الوسط الشيعي في السعودية‘ هو "رجل الدين" ودوره في المجتمع فهناك من حصر دوره في المهام التقليدية، مثل صلاة الجماعة والزواج والطلاق واخذ الحق الشرعي، وهناك يرى دورًا أكبر من ذلك كالتي ذكر قبل قليل، ورغم حدة النقاش في هذا الجانب الا إن هناك نقطة التقاء لدى الجميع وهي أهمية وحساسية رجل الدين، وأهمية دوره بغض النظر كان قليلاً محدودًا أم كثيرًا ذا سعة.. أما من الذي يحدّد أن دور رجل الدين هو أن يكون تقليديًا كالصلاة على الأموات فقط، وبين ان يتجاوز هذا الحد كالقيادة السياسية، وتبنى التنوير الثقافي، فذلك يرجع إلى شخص رجل الدين نفسه، وطبيعة التنشئة الفكرية التي تلقاها أبّان دراسته الأولى، فضلاً عن المدرسة الفكرية التي ينتهل منها خططه وطروحاته، من هنا كان بعض رجال الدين اكثر فاعلية من غيرهم، وبعضهم في مجال بعينه أكثر تفاعلاً، فأحدهم على سبيل المثال قال بالحرف الواحد أن تكليفه الشرعي ومهمته الأساسية هي رعاية طلبة العلوم الدينية، ولاشيء غير ذلك، في حين أن أخر يجد أن مهمته هي الصلاة جماعة، أو صعود المنبر وممارسة التوجيه الديني والأخلاقي.

إن هذه المسؤولية التي يتحملها رجال الدين في المجتمع تقتضي «أو تفرض» الكثير من المتطلبات، أبرزها: إتقان المسائل الشرعية بكافة تفاصيلها، فلا يقبل المجتمع من رجل الدين أي خطأ، أو نسيان في مسألة شرعية، إذ قد يأخذها عليه طوال حياته، وربما حتى بعد مماته، علمًا ان رجل الدين - مهما يكن مستواه العلمي - إنسان يتعرض لظروف معينة تجعله ينسى أو يسهو أو تغيب عنه بعض المسائل، وقد يشط فكره أو لسانه بكلمة أو بعبارة قد لا تكون دقيقة، أو قد تكون خاطئة.

كما أن المسؤولية الملقاة على رجل الدين تنطوي على علاقة مباشرة مع الناس، فإن رجل الدين مطلوب منه جملة من الالتزامات في المضمون والشكل وطريقة التعامل وطريقة الكلام بما ينسجم مع تلك المسؤولية، فما يصدر من الناس قد يقبل ويتم التغاضي عنه، لكنه من رجل الدين قد لا يقبل، وهذا لا ينطبق على الالتزامات التي نص عليها الشارع المقدس، في الحلال والحرام وكل ما له علاقة بالإيمان والتقوى، وإنما في المسائل الحياتية اليومية، فحتى وقت قريب لم يكن المجتمع يتقبل من رجل الدين أن يقود مركبة معينة، يتنقل بها، فضلا عن ان يمشي في الأسواق بدون زيّه الديني المتعارف عليه - فعلى الرغم أن المطلوب من رجل الدين أن يقوم بدور ما في المجتمع، لكن هذا المجتمع يريده بصورة مثالية للغاية، يحسب كلماته، ويحصى عيه سكناته وحركاته، ومتى ينام ومتى يستيقظ، وكيفية علاقاته مع الناس.

إن الصورة الذهنية المرسومة عن رجل الدين والثقافة الدينية أيضًا تفرض ان يكون على مستوى عال من الأخلاق والتواضع وحب الناس والحفاظ على الهيبة والمروءة، والا يأتي بشيء يخالف ذلك، ويذكر في هذا الجانب أن طالب العلم الذي يقضي بضع سنوات من عمره في الدراسة الدينية في الحوزة العلمية، فضلاً عن حضوره حلقات الدروس العلمية في الفقه والأصول واللغة والعقائد والفلسفة فإنه يتعرض لجملة من التوجيهات والقيم التي تعكس سلوك طلبة العلم ورجال الدين في التعامل مع الناس باحترام وتقدير، فهناك طريقة في الكلام والمجاملة، بل حتى في المشي والترحيب بالآخرين، وكلها اخلاقيات، بعضها جاءت من ارشادات دينية، وبعضها أعراف اتفق على تطبيقها بين رجال الدين، قلّما نجد من يخالفها أو يخرج عنها، لأن من يلتزم بها يضع نفسه في موضع اكثر هيبة وتأثيرًا أمام الناس، كما يعتقد معظم رجال الدين.

وهذا الأمر يثير نقطة حساسة يقع فيها بعض رجال الدين في مجتمعنا، منبعها ان ما يدور بين رجال الدين انفسهم بعضهم مع بعض شيء، ربما يغاير ما يدور بينهم وبين عموم الناس، فيحدث ان رجل دين ما يظهر أمام الناس بمظهر الصلاح والتقوى والتواضع والالتزام والإخلاص والأمانة، لكنه في واقعه «قد» يأتي بما يخالفها، أو أن بذور التمادي عليها وتجاوزها متفشية فيه، بالتالي فهناك من يتمكن من البقاء على حالة واحدة في الوسطين «الوسط الاجتماعي العام، والوسط الاجتماعي الخاص»، بينما هناك من لا يتمكن من ذلك، أو ربما لا يستطيع فيقع في حالة قريبة من الهلع والخوف من الناس، فيضطر إلى مجاملتهم والتغاضي عن بعض عيوبهم، انطلاقًا من نقطة ضعفه، التي يخشى ان يطلع عليها أحد من خارج وسطه الخاص.

لقد استمرت حالة القدسية لدى المجتمع تجاه رجال الدين، لأن الظاهر كان منسجمًا مع الباطن في العلاقة بين الطرفين، فرجل الدين حين يظهر بمظهر معين فهو ملتزم بذلك المظهر في واقعه وربما كان يزاول ما يؤكد ذلك، انطلاقًا من قناعة وإيمان وإخلاص، ولكن هذه القدسية تعرضت إلى شيء من "الخدش" بسبب إطلاع المجتمع على حقائق معينة لم يكن يتصورها، وبسبب عدم ظهور حالات من عدم التوافق بين الحالتين لدى بعض رجال الدين..

وهنا نجد انفسنا مضطرين للوقوف أمام حقيقة وهي إن رجل الدين يعرف حقيقة نفسه، وهو أنه - مهما كانت القدسية التي وضعها له المجتمع - إنسان بشر، يصدر منه الخطأ، وتصدر منه المعصية، لكنه - في الوقت نفسه ــ أقرب إلى حقائق الدين، ومصادر التشريع، وسيرة قادة الإسلام، والخطأ من كل أحد أقل أثرًا من خطأ رجل الدين، الذي يفترض فيه العدالة والتي هي "عدم ارتكاب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر". بالتالي فالقدسية الممنوحة لرجل الدين، سليمة في جوانب، لكنها تنطوي على مبالغة في جوانب أخرى.

كما أن رجل الدين، وبحكم كونه بشرًا، فهو يتعرض - مثل غيره - إلى مغريات الدنيا، وضغوطاتها، ومشاكلها، فتكون له ردة فعل تجاه ذلك، قد تكون صحيحة، وقد تكون غير ذلك، ففي حال أصيب رجل دين بحالة فقر مدقع فإن ردة فعله كإنسان أما أن تكون ايجابية وهي العمل والنشاط لحل هذه المشكلة، أو اللجوء إلى طرق ملتوية وغير مشروعة، لجأ لها للخروج من الفقر، حاله حال باقي البشر، فهو لم يتعد الصفات البشرية أو يخرج منها، ولم يكن الا إنسانًا خاطئًا يستحق العقوبة حسب مستوى الجرم والخطأ.

من هنا، وبسبب تطورات العصر، وتزايد الضغوطات والمشاكل، ظهرت على السطح حالات من الخروج عن الإطار الذي يتحرك فيه رجال الدين، فظهرت لدينا عينات مارست الخطأ، ووقعت في المحظور، وتعرضت القداسة التي يحملها المجتمع عن رجل الدين لشيء من الاهتزاز.

وبذلك نتوصل إلى نتيجة

ربما غابت عن كثير من الناس وهي أن رجال الدين مثل باقي أبناء المجتمع، فيهم السيء، وفيهم الحسن، فلا يعني ان شخصًا صار رجل دين، يعني أنه نجا من حبائل الشيطان وتقلبات الزمان. كما أن الخطأ الصادر من رجل الدين لابد وأن يعامل حسب حجم الجرم أو حجم الخطأ، فلا يمكن أن نقيس هفوة في الكلام غير مقصودة مع من يمارس الغش والتدليس والشعوذة على سبيل المثال.

وأغلب الظن أن التدهور الأخلاقي إذا أصيب به بعض ابناء المجتمع، فذلك عائد - غالبًا - لضعف التربية الدينية والأخلاقية، ويحدث ذلك لدى بعض طلبة العلم الذي امتهن الدراسة والبحث والمطالعة، لكنه ولربما لم يكمل عملية التربية، وربما لم يكمل حتى دراسته الدينية نفسها، لذلك تظهر منه الاختلافات والممارسات التي لا تدل على وجود مستوى علمي أو خلقي، إذ لا يتصور أن رجل دين يدعو للأخلاق، ويحذّر من سوء المنقلب وسوء العاقبة إذا به يمارس التضليل وبعض الأفعال التي لا تتواءم مع هذه الدعوات، ولا تنسجم مع شخص رجل الدين، الذي يفترض أنه مثال الفضيلة وممثل لها في الأرض.

وفي الحقيقة إن التوقف عند بروز حالات من الانحراف الأخلاقي بمعناه العام لدى بعض رجال الدين يدفعنا في الحقيقة إلى الانحراف القائم في المجتمع التي يعود في أهم أسبابه إلى شيوع الحالة المادية على حساب القيم الروحية والأخلاقية والمعنوية شكل عام التي كانت - ولا تزال - صمام أمان تجاه موجات التغريب والدعوات إلى أفكار وتوجهات شاذة عن قيم وعمادات المجتمع وأظن أننا بحاجة إلى وقفة أعمق وحديث أوسع عن هذا الشأن، لا يحتمله هذا المختصر، عدا أن الصورة تبدو خطيرة في حال تراجع دور رجال الدين الايجابي، أو وقعوا في الأوحال التي وقع فيها غيرهم من أبناء المجتمع. لذا بات من المهم إعادة صياغة رجل الدين الحديث، بصورة أكثر حداثة وعصرية وأكثر انفتاحًا على المجتمع وتطوراته ونمط سلوكياته وأفكاره، فمن خلال رجال الدين يمكن تنظيم العديد من أفكار وسلوكيات أبناء المجتمع بشكل عام، وهذا بالطبع لا يعني سوى التعمق في الإطلاع على حقائق الدين الإسلامي نفسه.

على ضوء كل ذلك فإن رجل الدين يمكن - ومن خلال ثقافته الدينية، وإطلاعه على علوم الشريعة أن يكون عنصرًا إيجابيًا في المجتمع ويسهم في إصلاحه، وإصلاح أوضاعه، كما يمكن - في حال لم يكن كذلك - أن يسهم في نشر ثقافة سلبية رجعية في المجتمع.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسن الصالح
[ السعودية - العوامية ]: 27 / 4 / 2012م - 5:02 ص
مقال رائع جدا يا أستاذنا الفاضل