آخر تحديث: 19 / 2 / 2020م - 7:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

تأبين شهداء القديح

أزلفت الجنة للشهداء..!

الدكتور محمد المسعود

أزلفت الجنة للشهداء غير بعيد، فكل شيء عنده بقدر مقدور، وقضاء غالب، أرواح طاهرة يجتبيها ربها بين ركوع وسجود، من بين تكبير الله أحراما لله بصلاة، وعند رطاب ذكره كان إليه التسليم، إن الخواتيم يصنعها أول السير إليه، أول السعي، أول الأقبال، والرضا على العبد آخره..!.

القديح ومعراج جمعتها، وأرتفاع صلاتها التامة لرب هو رحمن وهو رحيم، فرائد الطين، أيتها القرية الطيب نباتها، الطاهرة أغصانها، لينة العود، كثيفة الورق والطهر وكرم الفقراء. وفيض صفاتهم..!.

بين صلاتين في محرابين، كان للقديح إسراء وعروج روح، صلاة الفجر لعلي بن أبي طالب في محراب الكوفة، وأبن ملجم الذي خالط طهر الصلاة بدم الغدر.. والغيلة.. ورجس أبليس.. وكان للشهداء موعدهم في محراب مسجد تسمى باسمه، يحمل المصلون في قلوبهم حبه، وأتباعه.. وتم لهم من الله مغفرة مدخرة.. وكان الغدر هو ذات الغدر، والغيلة هي الغيلة، والصلاة التي تنثر على أرواح الشهداء الروح والريحان وسندس أخضر..!. وأبن ملجم بعقله وخبث باطنه، لا يموت يزرع القتل ويحصده بالغدر والغيلة ذاتها..!

تلتقي الخواتيم عند الطهر الأول الذي صنعها، هذه المنزلة من الشهادة لا يهبها الله لأي أحد، وليس كل أنسان هو خليق بها، خرج الشهداء إلى مضاجعهم اللينة، خرج الشهداء إلى مستودع ومستقر رغد، عند مليك مقتدر، خرج الشهداء إلى أجال مقدرة لا يردها حذر، وجميل هذا المنقلب ونعيم هذا المآل..!.

لقد مضى الشهداء برفعة خليقة بفرح الشهادة، وحزن متواضع على الفقد..! إن كرامة العبد أن يمضي في سبيل ربه شهيدا، فينال مراتب الشهداء، ورفعتهم، ومنازلهم التي تدنيهم من الأنبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقا..

لا ألفين القديح تتسربل بحس الفاجعة على خاتمة، أستجلبت من الطهر والرفعة والشرف خاتمة علي بن أبي طالب..!.

لا يضطرب في حس القديح البصيرة واليقظة، إن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..!. فليس من نفس تموت قبل أجلها الذي قدره الله لها، ليس من قاتل إلا وهو عاجز، وليس من محرض إلا وهو قاتل أضعف منه، وليس من صامت وساكت، إلا وهو تابوت لضمير ميت وقلب أعمى..!.

يا قرية لبست في صلاتها وجمعتها خاتمة علي ودخلت إليه من محرابه ومأذنة مسجده: إنكم عندما تضعف نفوسكم تكونوا على أبواب ألم جديد..! لا تسمحوا لأحد أن يبدل المقام الرفعة الذي ترقى إليه الشهداء، بعويل قليل الصبر على مصيبته، يسقط أجره، ويشمت فيه عدوه..!

إن للشهداء صلاة طويلة هي أجمل مما نحسب، وهي أطهر مما نعي، وهي اصدق من الحزن على رجال قد غمرهم اللطف، وحسن المنقلب، وجميل فعل الله بهم..!.

إن هذه الفاجعة هي سلسلة طويلة جدا، يمد في طولها العمى والجهل، هي قصة أقدم مما نقدر، وأوسع مما نتصور، ولا تقف عند أحد، أو طائفة، وكلي يقين أن القديح لن يغادرها صبرها ولا حكمتها، فهي لم تزل خليقة بالشرف الرفيع في المواقف. حين يكبر الغصن يتسع معه ما في داخله..

الناس موتى جميعا.. والشهداء وحدهم هم الأحياء «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون» آل عمران.

ليعظم الله للوطن كله الأجر فيمن فقد منكم، ويضاعف لكم المثوبة عليها. ويقي الله المسلمين كافة والإنسانية عامة من القتل ووزر سفك الدم الحرام في كل مكان وفي كل زمان، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم الحكم الله، وإليه يرجع الأمر كله. وإليه المنتهى والرجعى.