آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

لا بد أن نعترف.. نحن طائفيون

سلمان محمد العيد

لقد أثارت قضة تفجير مسجدين في كل من القطيف والدمام، الكثير من المسائل الهامة، التي ينبغي ان يعاد النظر حولها، وأن يتم التأكيد عليها في كل وقت.. وذلك بالنظر إلى ان المسجدين شيعيان وفي المنطقة الشرقية، وتلتقى العمليتان في كونهما من العمليات الإرهابية الصريحة، والتي لاقت موقفا حادا من قبل الحكومة والشعب على حد سواء.

ورغم ان الموضوع مليء بالتفاصيل، الا أنني اشير الى بعضها، بهدف المعالجة والحل، ومنع تكرار مثل هذا العمل

إن حادثة القديح جاءت نتيجة وضع معين في البلاد، علينا التوجه له لنصل الى حلول جذرية.. هذا الوضع يتمثل في الحالة الطوائفية السائدة في مجتمعنا بكل أسف، والتي نجدها في العديد من مواقع التأثير مثل دور العبادة، ووسائل الإعلام وسائل التواصل... الخ، والتي كلما استمرت في طروحاتها المذهبية تزداد تعقيدا،.. الطائفية كحالة موجودة في بلادنا، علينا أن نعترف بها حتى نعالجها، وعلينا أن نقتنع أن فئات ليست قليلة من أبناء مجتمعنا مسكونة بالمشكل الطائفي، وربما البعض يعيش عليه وهو مبرر وجوده في الحياة، ومنه ظهرت مثل هذه الحالة، ورأينا كيف ان الفاعل انطلق من حالة عداء طائفية فقتل جماعة من أبناء جلدته لمجرد أنه يختلفون معه في الطائفة، وهذا دليل دامغ على أننا لم نصل بعد إلى حل للمشكلة الطائفية الموجودة في بلادنا.. وحتى نحل هذه المعضلة هناك جملة من المقترحات:

- الاعتراف بكافة المذاهب الدينية الموجودة في بلادنا، فبلادنا ليست مذهبا واحدا، بل سبعة مذاهب اسلامية هي «الإثناعشرية، الحنبلية، الشافعية، المالكية، الحنفية، الزيدية، الاسماعلية،».. فينبغي التعامل فيما بينها بمنطق أن لكل إنسان دينه وفهمه وعقيدته.. وليكن ذلك رسميا، ومطبقا في كافة الحياة اليومية، كأن يكون القضاء في المناطق الزيدية وفق المذهب الزيدي، ودراسة التاريخ والفقه والعقائد في المناطق الشيعية وفق المذهب الشيعي، ولا ينبغي ان نشعر بغضاضة في هذا الجانب، فلكل شيخ طريقته.. وأي ملاحظات من مذهب على آخر ليكن بالتي هي أحسن وضمن اطر الحوار بين العلماء أنفسهم، على أن يتم وفق قاعدة الاحترام المتبادل، وهذا الأمر سبق الحديث عنه من قبل كافة الفعاليات الاجتماعية، ولكن  للأسف  لم يأخذ وضعه في التنفيذ على الأرض.

- اعتمدنا في السنوات الماضية على طيبة وحسن سجية المواطنين وتاريخ التعايش فيما بينهم، بينما هذه القيم لن يكون لها وجود إذا لم تتأصل كقيمة وسلوك يومي، ولا يتم ذلك إلا بوجود نظام يحمي تلك القيم، ويعاقب من يخالفها أو يسعى للنيل منها، فالسرقة كانت قليلة في بلادنا في حقب الستينات والسبعينات لوجد نظام رادع يمنع من ذلك، كذلك وجدنا ان المخدرات تراجعت في بلادنا لأن قانونا سن يقضي بحكم الإعدام بحق المروجين، الحال نفسه يمكن ان نطبقه في حق من يخالف الوحدة الوطنية، ومن يمارس الطائفية في القول والفعل..

- تعزيز مفهوم العلاقة مع الآخر، لدى الكل، خصوصا الأجيال القادمة، والتي تعني ”البدء من حيث نتفق، لا من حيث نختلف“، فهناك نقاط التقاء واتفاق عديدة وقوية، لا ينبغي ان نغفلها أو نتجاهلها في غمرة الخلافات المذهبية والطائفية والعنصرية.. فالمجرم الذي ارتكب الجريمة في مسجد الأمام علي بن ابي طالب ببلدة القديح بالقطيف، او في مسجد الامام الحسين بحي العنود بالدمام انطلق في عمليته من نقاط اختلاف او وجهات نظر، لم يجد الحل لها سوى التفجير والقتل، بينما لو انطلق في تعاملهم معهم من كونهم بشرا يشتركون معه في الإنسانية أولا، وفي الوطنية ثانيا، في الدين ثالثا، لكان موقفه مختلفا، وسلك سبيلا آخر غير هذا السبيل.

- نشر ثقافة ”اللاعنف“ في كل حياتنا، في المنازل والمدارس والمعامل، فالعنف لم يدخل واديا إلا وأتلفه، والعنف لا يولد إلا عنفا مثله، ومهما كانت المبررات لا ينبغي التوسل بالعنف لحل المشكلات، واعتقد ان علماء الاجتماع قد أشبعوا هذا الموضوع بحثا وتنقيبا، إذ يوجد العشرات من الدراسات التي تبين أضرار العنف على المجتمعات.. فإذا كانت كل مشكلة تم حلّها بالعنف فإن مشكلاتنا سوف تزيد، فلكل فعل رد فعل.. ولو سلّمنا جدلا أن ثمة هدفا ساميا لدى منفذ تلك العملية، فإن مجرد اعتماده اسلوب العنف يجعله لا يصل الى هدفه، بل سوف يؤدي الى عكس ما يريد.. فسيادة اجواء العنف في المجتمع يضر اللحمة الوطنية بصورة مباشرة، ومؤثرة، بعكس إذا ما سادت القيم المعاكسة للعنف والتي منها ”الحوار، والتسامح، والتعايش، والتعاون“ فإن اللحمة الوطنية سوف تزيد وتتأصل، وما دمنا نحمل هما وطنيا فعلينا أن نؤصل لثقافة اللاعنف، وبعدها ليكن ما يكون، لترتفع النقاشات والحوارات، ما دامت في إطار السلامة البدنية والنفسية.

وتبعا لذلك لا بد من احترام وتقدير مسألة التعددية الثقافية الموجودة في مجتمعنا، فالحياة جبلت على التعدد، فلدينا في بلادنا قبائل مختلفة، ومذاهب اسلامية وثقافية متعددة، يجمع بينها الوطن والدين، فلا حل لهذه التوجهات سوى أن نجعلها تتنفس في الهواء الطلق، ولا معنى للقهر والمصادرة، فكلها سوف يخدم الوطن ويرفع من شأنه، ولنا في تجارب الأمم الأخرى خير دليل. بالتالي لابد من الاعتراف بكافة التوجهات الثقافية، فلا داعي لوصم من يحمل فكرا ليبراليا بأنه فاسق فاجر علماني كافر.. ولا ينبغي لوصف من كان متدينا بأن نصفه بالرجعية والتخلف، وهكذا كافة التوجهات على مختلف الصعد.