آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

كبسولات طائفية

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

يقول أحدهم، كما أن هناك تفجيرا لمسجد الشيعة في القديح، هناك تفجير لمسجد السنة في العراق، ويقول آخر: كما تعرض شباب الشيعة للقتل والتفجير في العنود، فقد تعرض رجال الأمن السنة للقتل والتفجير.

المنطق في هذه العبارات ”تغدى به قبل أن يتعشى بك“، نعم، أقولها بكل صراحة ومكاشفة، نحن طائفيون، ندافع عن طائفيتنا هنا ونستحضرها هناك على طريقة ”ما فيش حد أحسن من حد“، وهنا مربط أزمتنا نتبادل إطلاق اللعنات بالتساوي، وحتى نثبت أننا عادلون محايدون نكتب اليوم مقالا ضد السنة، وغدا مقالا ضد الشيعة، نعالج الطائفية بتوجيه الاتهامات مناصفة ونتقاسمها شرقا وغربا، أصبحنا نثبت وسطيتنا بناء على المثل المعروف ”راعي النصيفة سالم“، ولكن ”سالم“ اتضح هو الآخر أنه طائفي حتى النخاع.

إنه أمر في غاية الغرابة! يبدو أن الهوس الطائفي أوجد جماعات تبدو في ظاهرها أنها تصب جام الغضب على الطائفية المقيتة ولكنها عند التحليل تجد أنها لديهم ضاربة في الأعماق، واللافت أنه بعد كل حادثة تجد البعض يخفي سوءاته سريعا وذلك بتوزيع روشتة علاج عبارة عن كبسولات نصية تويترية مسكنة للألم مدتها ثلاثة أيام فقط، يستنكر فيها ويشجب، نعم ثلاثة أيام نبقى متحدين أما اليوم الرابع فنعود إلى ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الفرقة الناجية، وهو ما تعلمناه وتشربناه في مدارسنا وجامعاتنا ثم تخرجنا ولدينا اعتقاد جازم أن الحقيقة واحدة، لا تتعدد وأننا نملك الحقيقة المطلقة، وأن غيرنا مشكوك في عقائدهم وإسلامهم، وهذا هو أساس البلاء فماذا كانت النتيجة؟ هي دماء الشهداء، وأين في مساجد الله، متناسين أن أول مشاريع نبينا الكريم عندما هاجر إلى المدينة، كان بناء مسجد، لأنه أراد أن يوحد المسلمين، وأن يلغي كل ما كانوا يتفاخرون به من انتماءات.

لكن هذا التطور التراجعي - إذا صح أن يكون التراجع إلى الوراء تطورا - جعل المساجد تتمذهب وتتطيف، فهذا مسجد للسنة، وهذا مسجد للشيعة، ثم تراق الدماء على هذه المساجد، ونحن ما زلنا نتنازع على نوعية السجادة التي نصلي عليها هل هي من القش أم من القماش؟! هل مسؤوليتنا أن نجلب التاريخ إلينا، أو أن نصنع التاريخ؟ فالله تعالى عندما حدثنا عن كل تاريخ الأنبياء، كان يقول لنا: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون، لقد صنعوا تاريخهم، وعاشوا مرحلتهم بكل ما فيها سواء كان تاريخ الانتصارات أو تاريخ الهزائم، فالله هو الذي يحاسب الجميع، وعليكم أن تصنعوا تاريخكم كما يريد الله لكم أن تصنعوه.

لن أكون مثاليا وأقفز على الحقائق لن نتفق، وليس المطلوب في الأصل الاتفاق ولا حتى تفهم وجهات الرأي المخالفة، إنما المطلوب مهارة في التعامل مع الاختلاف والفن في مواجهة الطائفية التي هي وقود الحروب الأهلية، حتى إذا ما خرج علينا بذيء وأرعن من هذا الطرف أو ذاك ليعلن طائفيته النتنة، نكون قد حصنا أنفسنا بأن الجامع هو الوطن وقوانينه التي تحمينا، نحن بحاجة إلى تشريعات مغلظة، تمنع التكفير والإساءة إلى معتقدات الآخرين، نحن بحاجة إلى ثورة في تعليمنا وخطابنا الديني والإعلامي، بالأمس قرأت عنوانا مؤدلجا نشرته إحدى الصحف ”نائب رئيس الدعوة السلفية: الحوثيون طائفة ممتنعة مبتدعة قتلت أهل السنة ودمرت بيوتهم ومساجدهم ويريدون نشر مذهب الرافضة“ مع أن القيادة أكدت في أكثر من موضع أنها بعيدة عن التصنيف الطائفي في عاصفة الحزم.

أخيرا أقول: ها هي داعش قرعت الطبول تجاهلناها منذ زمن على أنها دبيب نمل ومع اقترابها اكتشفنا أنها دبك فيلة سيسحقنا جميعا. أغنيتهم الجهادية بعد حادثة القديح: ”قريبا يجري الصراع في عقر دارك، وتكون المعارك لأجل دمارك“. فهل نكون على مستوى الحدث؟!