آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

الإرهاب والطائفية.. وجهان لعملة واحدة

لنعترف أننا وضع لا نحسد عليه، فالإرهاب أخذ وضعا آخر، كان موجودا نال عددا من المواقع في شتى بقاع البلاد، لكنه هذه المرة ضرب الحواجز، واخذ البعد الديني، والبعد الطائفي، ولم يعد لديه أي حرمات تذكر..

وقبل أن ادخل في تفاصيل هذه القصة يجدر بنا التوقف عند حقيقة هامة علينا الاعتراف بها

اولا: إن الحكومة  مهما كان موقفها من الشيعة  لا تقبل مثل هذه الأعمال في بلادها، كون العمل تمس أمن ومصداقية وانجاز الدولة، وإذا شاءت أن تمارس العنف أو القوة تجاه فئة من فئات الشعب فلها طريقتها، بالتالي فإن مقولة أن جهات حكومية تقف وراء هذا الحادث وذاك مقولة تفتفر الى الدقة والموضوعية.

ثانيا: إن مقولة اليد الإيرانية وراء الحدثين، هي مقولة خاطئة، ولا تحتاج إلى دليل لوضع خطئها وفشلها، فالإيرانيون مهما كانوا مختلفين مع حكومتنا ليس لهم اليد الطولى لهذا المستوى، فضلا عن أنهم أذكى من أن يدخلوا في مثل هذه المتاهة ليقوموا بتفجير وقتل جماعة يحسبهم الطرف الآخر عليهم، بالتالي فهناك بعد محلي بنسبة 100% يقف وراء هذا الحادث، وقد اعلنت منظمة داعش مسؤوليتها، وداعش غير مدعومة من حكومتنا وغير مدعومة أيضا من ايران، وما يجري هنا وهناك هو نوع من الحشو الإعلامي من الطرفين، لا ينبغي أن ننزلق فيه وتضيع الحقيقة.

السؤال هناك ماذا علينا ان نفعله لمقاومة مثل هذا الوضع، فهو وضع خطير، ويجلب معه الدمار..

حتى لا أدخل في التفاصيل، أقول أن هناك مسؤولية على الحكومة، وأخرى على المواطنين، اما الحكومة فعليها ما يلي:

 تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يضمن التوازن التنموي، دون التركيز على المركز وترك الأطراف، فذلك يثير الحساسية والشعور بالغبن لدى قطاع من المواطنين، وهذا ما لا تريده الدولة، ولا تسعى إليه، ولا ينبغي ان يكون..

فليس سليما أن تكون الخدمات في منطقة معينة أفضل من نظيرتها في منطقة أخرى، فالرياض مثلها مثل الطائف وجيزان وابها والباحة والدمام والخبر والقطيف والجبيل، وينطبق ذلك على كل الخدمات مثل الصحة والتعليم والبلديات والطرق... الخ

قد يتساءل البعض عن علاقة هذا الأمر بالعملية الإرهابية، والمسألة الطائفية، يجاب عليه بأن هناك تناسبا طرديا بين غياب العدالة والإرهاب، فأي مواطن لا يمكن أن يدخل في متاهة وعداء مع حكومته لو شعر بأن حقه قد حصل عليه، لكنه سوف يتمادى على بلاده إذا ما رأى معاملة تفضيلية غير منطقية بينه وبين نظيره المواطن، فالمسألة قد تكون حالة من الفساد  وهو التعبير المؤدب للصوصية والسرقة والغش  لكنه مجال لأن تظهر حالة الغبن الممزوجة بالنفس الطائفي، فالشيعي في القطيف إذا ما رأى تراجعا في مستوى الخدمات، فسوف يظن أن هذا التراجع يعود إلى حالة طائفية، وهذا ليس صحيحا بالضرورة، ولكن يمكن ان يقتنع البعض به، ويؤسس عليه موقف، والشواهد على ذلك عديدة، فحينما تكون القطيف مركزا لتجارة كبيرة للأسماك والأحياء البحرية، وتتأخر معاملة سوق السمك الجديد لأكثر من خمسين عاما، فماذا تقول؟ وحينما تعتذر المؤسسات الرسمية عن إقامة كلية أو جامعة للبنات في القطيف، بحجة عدم وجود قطعة أرض، بينما تتمكن من توفير قطعة ارض لسجن جديد في العوامية فماذا يمكن أن يفسرها المواطن العادي؟ وحينما ترفض أمانة الدمام السماح لاهالي القديح ببناء الدور الثالث في المنازل دون سبب مقنع، فماذا يفسرها ذلك المواطن الفقير؟ هل سوف يقول أنها ضمن مسلسل الفساد في الدوائر الحكومية؟ وحينما تكون لديك معاملة في محكمة القطيف تقضي يوما كاملا لإنهائها، بينما لا تتقضي تلك سوى ساعة من نهار في الدمام، فهل نستطيع ان نبعد ذلك عن الحالة الطائفية، وإذا سلّمنا أن ثمة فسادا ما في إدارة فلماذا يكون هذا الفساد بهذه الصورة السيئة في القطيف، ويكون أقل سوءا في منطقة أخرى.. وهكذا الشواهد عديدة.

في المقابل حينما يحدث التوازن التنموي، وتمنح المناطق نصيبا واحدا من الاهتمام، سوف يشعر الكل أن الدولة مع الجميع، حتى وإن اختلفوا طائفيا، فهناك خدمات حياتية يومية متساوية.. بالطبع لا أحد ينفي ما تقدمه الدولة من خدمات صحية وتعليمية وغير ذلك للمواطنين ككل، شيعة وسنة، ولكننا نأمل أن تتوقف الأجواء الطائفية، ومن حلولها اعادة النظر في المركزية، ومن ثم تفعيل نظام المحافظات بشكل أفضل مما هو عليه الآن، بحيث تكون كل منطقة تأخذ تراخيصها وصلاحياتها ومصالحها من مجلس منطقتها، دون اللجوء الى المركز في أي شيء، وما يقتضي ذلك من جهد وضغط على المركز وبالتالي تواضع الخدمات.

- تطوير نظم القضاء بحيث يصل الى مستوى اكثر عدالة وحسما، خصوصا مع مثيري الكراهية.. وهذا أيضا من مسؤوليات الحكومة، وهناك جهد كبير في هذا الجانب، ولكن هناك ملاحظات عديدة في هذا الجانب، قد يتسلل فايروس الطائفية، أو الشعور بالغبن لدى قطاع من المواطنين، ذلك حينما يعتقل مواطن من القطيف بتهمة التجمع الممنوع فيحكم عليه ببضع سنوات من السجن، بينما يحكم على شخص من خارج القطيف بجلسة مناصحة رغم أن تهمته الانتماء إلى تنظيم إرهابي، ثم يعود مرة أخرى ليقوم بعملية ضد الوطن، منهم المجرم صالح القشعمي الذي قام بتفجير مسجد الإمام علي بالقديح.

- إعادة النظر في المناهج الدراسية، الجامعية بالتحديد، التي تتحامل فيها على المذاهب بصورة غير منطقية، وإذا لم يكن ذلك فليكن المجال مفتوحا للجميع، وليكن حوارا مذهبيا في اروقة الجامعات تنشر نتائجه على هيئة دراسات وبحوث تفيد المجتمع والأمة.. إذ ليس من المنطق ولا من العدالة أن يسمح لمنهج دراسي بسب الشيعة والنيل من عقائدهم وإذا ما قام طالب بالدفاع عن مذهبه ينال عقوبة من المدرس، أو القيام بتحويله إلى وزارة الداخلية، وجرت حوادث عديدة في هذا المجال.

- توجيه وسائل الاعلام المحلية بالبعد عن المسائل التي تثير الكراهية، وأن نفهم بأن ذلك لا يعد نوعا من حرية الرأي التي تعني التعاطي مع الرأي الآخر، واحترامه، وإذا ما تشدقت الصحافة المحلية بذلك فعليها أن تتيح للطرف الآخر أن يدافع عن نفسه بالمساحة نفسها، وإذا كانت هناك انتقادات تجاه الشيعة فلا ينبغي أن تكون بمصطلحات الرافضة والمجوسية والصفوية وكلها مصطلحات مزعجة للطرف الشيعي، الذي يقف حائرا تجاه ذلك، فمن خلال هذه المصطلحات يظهر مجرمون يجدون أن قتل الشيعي يقربهم إلى الله فتكون لديه القابلية للأنتماء الى تنظيم ارهابي.

- وأخيرا مواصلة ما بدأنا به قبل سنوات، من تفعيل الحالة الانتخابية في كل مكان، فقد نجحنا في المجالس البلدية، والجمعيات الخيرية، والاتحادات الرياضية، والغرف التجارية، والأندية الأدبية، علينا ان نوصل تلك الخطوة بانتخابات مجلس الشورى، ليكون خير معين للدولة كما هو الحال الآن.

- تعزيز مبدأ الحوار الوطني، وان يتم تحويل مركز الحوار الوطني الى مشروع المجتمع بدلا من أن يكون مشروعا من الحكومة، وان يتم مثل أي ناد ادبي له انتخابات وجمعية عمومية وما شابه ذلك

 احترام قيم العدالة والحرية بين أبناء المجتمع، من خلال وسائل الاعلام، والمناهج الدراسية، فهي الكفيلة بمنع مثل هذه التصرفات، فالعدل اساس الحكم، والحرية اساس الإبداع، فمن يشعر بحريته وكرامته وأن العدالة سوف تحميه وتمنع أي طرف الاعتداء عليه حتى لو لفظا فسوف يرفض مثل هذه الأفعال، بل إن مثل هذه الافعال سوف تفقد مبرر وجودها، لأن البعض يلجأ لها نتيجة تصور خاطيء بأن ثمة طرفا في البلاد يسعى للنيل منه، وهذا غير صحيح

أما مسؤولية المجتمع فهناك جملة من المقترحات:

على مثقفي المجتمع نشر الفضيلة والأخلاق بين الناس، وأبرزها الاحترام والتعاون والتعايش، عدم التعاطي مع كافة دعوات العنف والفرقة الوطنية، تنظيم مؤتمرات ومنتديات تقدس الوحدة الوطنية وتنبذ الفرقة، تشجيع المسؤولين الحكوميين على تقديم خدمة افضل للمواطنين، ورفع الشكوى على الفاسدين لولاة الأمر، البدء في تعاملاتنا مع بعضنا من المشتركات اولا، الغاء فكرة الإقصاء لدى بعضنا تجاه بعض، وقف الحملات المضادة التي تنطلق من الاختلافات.

 وإذا اثيرت الخلافات، فعلينا ان نفهم وجهة نظر الآخر، فمثلا لو اشكل مواطن سني على الشيعة في أي معتقد، فقبل اتخاذ الموقف عليه ان يفهم وجهة نظر الآخر، والعكس صحيح.. وإذا لم يكن مقنعا فلكم دينكم ولي دين، والحساب والعقاب عند ربنا الكريم الرحيم.

علينا ان نزيل من فكرنا بأننا وكلاء الله على خلقه، وأننا نملك صكوك الغفران، ندخل هذا النار، وذاك الجنة، تنفيذ مشروعات ثقافية مشتركة تعتمد وجهة نظر الطرفين، كالقضاء ونظام الاحوال الشخصية، وبعض ابواب الفقه، فتراثنا الديني لدى الفريقين زاخر بالقيم والمناقبيات.

ان التوعية تتم من خلال التربية في المنازل والمدارس والجامعات، بأن الوحدة الوطنية قيمة مقدسة لا ينبغي المساس بها، تحت أي ظرف، وأن يعرف كل مواطن بأن حب الوطن من الإيمان. فالناس اعداء ما جهلوا، فلا ينتج مثل هذه الأفعال الا الجهل، وإذا ما وعا المجتمع بخطورة مثل هذا الوضع، فإنه سوف لن يتبنى مثل هذا الدور، وسوف يرفض هذه الأفعال.