آخر تحديث: 22 / 10 / 2020م - 8:49 م

السجالات العقيمة والسادرة.. حول انتماء الشيعي وربط عقيدته بمفهوم الخرافة.. إلى متى..!

أحمد علي الشمر *

هذا الموضوع يتعلق بحلقة برنامج في الصميم التي يقدمها «الأستاذ عبدالله المديفر بقناة خليجية» وتتعلق تحديدا بالحلقة الأخيرة التي قدمها تحت عنوان «الشيعة والسلم الاجتماعي  والتي استضاف فيها سماحة الشيخ عادل بوخمسين»

وأما مضمون الموضوع فأبدأه أولا، بتقديم تحيتي وشكري الجزيل للأستاذ المديفر على اهتمامه بتقديم مثل هذه الحلقات الهامة، التي يستضيف فيها ضيوف من مختلف الأطياف والمكونات ومن شتى التخصصات والتوجهات الفكرية والثقافية المختلفة في بلادنا، وهذا بالطبع هو جزء هام من الرسالة الإعلامية والثقافية، التي يجب الحرص عليها من مبدأ التواصل الإعلامي، لنشر ثقافة التوعية والمعرفة للمتلقين، سواء في الداخل أوفى الخارج، غير أن ملاحظاتي التي أود الإشارة إليها هنا تأتي على خلفية هذا اللقاء، الذى أجراه الأستاذ المديفر، مع الشيخ عادل بوخمسين. وفحوى هذه الملاحظات تتعلق تحديدا ببعض الأسئلة المطروحة في الحلقة، وقد لفتتني طروحات بعض الأسئلة السادرة التي يكثر ويتكرر ترديدها ضمن الحملات التشويهية على الطائفة الشيعية، وقد يعتقد الأستاذ المديفر هنا، من وجهة نظره، بأنها أسئلة عادية وجريئة وتخدم سياق الحلقة وتطرح بعض القضايا والأمور والإشكالات الغامضة المتعلقة بالشيعة..!!

وربما هذا من حقه وربما فيه بعض الصحة أيضا، ولكن ما يكشفه الواقع حقيقة وبشكل دقيق وواضح في هذا السياق، هو أن طبيعة بعض الأسئلة المطروحة ذاتها.. أرى أنه يغلب عليها طابع السذاجة والجهل، اللذان يحيطان ويسيطران على طبيعة أغلب تلك الأسئلة، وهي للأسف أسئلة تنبع في الأساس، من نفس ومنظور وذات الثقافة السائدة لدينا، والتي تصور في أقل مصطلح للتعريف بها، وهي أنها عقيد تقوم أوتصطبغ بطابع ومفهوم الخرافة..!!

وأسباب ذلك قطعا جاء كما يعرف الجميع، من واقع ونتيجة الحملات والتعبئة التحريضية المستعرة منذ سنين طويلة، والمشمولة بالخطاب المنبري والإعلامي والمقروء والمسموع والمرئي والتعليمي المشوه، والآن لحقتها أيضا قنوات التواصل، في جانب تعميق شرخ هذا التشويه، حول عقيدة الشيعي الهلامية الغريبة، والتي تربط عادة بحسب تلك الثقافة السائدة وإبرازها وربطها كما أشرت بمفهوم الخرافة، أو الأوهام أوالخيالات غير الواقعية لحقيقة عقيدة الشيعي وانتمائه وولائه، وبالتالي فإنه يبدو من خلال منظور هذه الصورة الخيالية المركبة، وكأنه شخصية غريبة ومختلفة عن الآخرين، وهذا بدليل شيوع مثل تلك الأسئلة الغريبة التي توجه إليه، وهذه الاستنتاجات لاشك قد جاءت من رحم ونسج خيال تلك الروايات وتلك الافتراءات التي تجتر وتلفق عن التوجه المذهبي الشيعي، وهذه بالطبع حقيقة مترسبة ومتعمقة في أذهان وأفكار هؤلاء لا يمكن إنكارها، ويلحظها ويلمسها ويعرفها بشكل واضح لا لبس فيه أيضا كل منصف، وأي متابع واع ومن أي مكان في العالم الإسلامي، لم تلوثه ثقافة وتربية التشدد والتعصب والتمييز والإقصاء والتهميش، بسبب التباين المذهبي أوالديني، خاصة عن حقيقة الشيعي وعقيدة المذهب الشيعي، وعن الحملات المشوهة التي تشن عليه..!!

وبدليل أيضا أن هذه القضايا التمييزية والخلافية، التي نعاني منها هنا في بلادنا، بسبب الاختلاف المذهبي، لا يوجد لها أي ترويج أو تأجيج أو مثيل في العالم الإسلامي، ولا حتى في معظم الدول العربية، وإن وجدت فإنها لم توجد إلا في السنوات الأخيرة، خصوصا بعد أن وصلت وتسربت إليها هذه الثقافة المتشددة المتعصبة التي تقصي وتهمش الشيعي وتوصمه بأسوأ صنوف الأوصاف المسيئة، والتي لا تليق بكرامة الإنسان المسلم أو حتى غير المسلم..!!

ما أريد الإشارة إليه عبر هذا التعليق بوضوح وتأكيده هنا، هو ضرورة أن يعلم الأستاذ المديفر أو غيره ممن التبست عليهم بعض المفاهيم والحقائق، حول أسطورة الشيعي الوهمية الخرافية الخيالية، الموجودة في مفاهيم وأذهان الكثيرين للأسف ممن يحمل هذه الثقافة المشوهة، مع علمي ومعرفتي المسبقة بحقيقة وثقافة الأستاذ المديفر المستنيرة، والذى أجزم بانه أيضا لا تغيب عن ذهنه ووعيه الثقافي الواسع، تلك الحقائق الناصعة، التي يحاول البعض تشويهها وتغييبها، ولكنني أؤكد هنا من باب التذكير، سواء للأستاذ المديفر أو غيره، هذه الحقيقة هي ان المسائل الخلافية بين الشيعة والسنة هي خلافات فرعية وليست خلافات على الأصول والثوابت، وبالتالي فهي قضية روتينية هامشية مفروغ منها، وهي من البديهيات التي لا يختلف عليها أصلا من قبل جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم الإسلامية، ولا يوجد لها أي اعتبار في مسألة هذا الخلاف في كتب التراث، أو حتى في قاموس علماء الإسلام ماضيا وحاضرا إلا من شذ منهم، وكذلك يدركها أغلب أقطاب الفكر والثقافة «التنويرية» من المزودين بثقافة العلم والإيمان وقيم الإسلام الصحيح، وأيضا كل من يحترم قيم التسامح الدينية والأخلاقية والإنسانية..!!

وأما القضايا الجدلية الأخرى التي تثار، حولها السجالات العقيمة، وهي قضية أن الشيعة «مشركون» ويسبون الصحابة، فهي فرية أخرى مدسوسة بهدف التشويه، كما أن هذه القضية كما نعلم، هي من القضايا التافهة أيضا التي لا تستحق النقاش أو حتى الالتفات إليها أو الرد عليها، لأن معظمها يقوم على ذات السجالات الجدلية الفارغة، التي تبنى على الأكاذيب والافتراءات والروايات المغلوطة والملتبسة واختلاق الكثير من القصص الملفقة حولها..!

وأعتقد أن من يرددها كما أشرت، هومن تلوث ذهنه وحمل نفس تلك المفاهيم والثقافة البالية المتخلفة ذاتها، لتلك المعلومات والأسطوانات المشروخة السطحية الساذجة المكررة، التي أكل عليها الدهر وشرب، والمأخوذة للأسف من بعض تلك الكتب الصفراء، أومن بعض المفترين المتعصبين من المعتوهين والمرضى، الذين لا يخشون في ألله لومة لائم، في أقوالهم ولا في أعمالهم، فلا يتورعون من القيام بنشر الأكاذيب والروايات والقصص الملفقة، والتمادي في الغي والعدوان على الآخر بترديد ونشر هذه الثقافة البالية، التي يعممونها ويسحبونها ويصرفونها على عموم الطائفة بعلاتها، دون تمحيص أو تخصيص أو حسيب أو رقيب، فمثل هؤلاء عادة ليس لهم ذمة وليس عليهم أي معول يرجى، لأنهم ببساطة قد فقدوا الإحساس بعظمة ومسؤولية الكلمة أو الخطاب المسئول، بعد أن أصبحوا يلقون الكلام المسيء والمؤجج للفتنة على عواهنه، فباعوا دينهم بدنياهم وماتت ضمائرهم..!!

وإلا فمن هو ذلك الإنسان المسلم، الذى تكون لديه الجرأة بأن يشرك بالله لأي إنسان مهما علت وارتفعت مكانته، حتى ولو كان من أهل البيت، حاشاهم ذلك، وكذلك من هو ذلك الإنسان المسلم الذى تكون لديه الجرأة على التعرض لحرم زوج رسول الله أو صحابته صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ولا يعصمه إسلامه وإيمانه عن هذا الزلل والمنكر العظيم، فكيف له إذن بأن يصلي ويصوم ويحج بيت الله ويؤدي جميع فرائض الإسلام..؟!

فها نحن في مجتمعنا الشيعي في هذه البلاد، لا نجد عندنا مثل هؤلاء الناس الذين يشوهون العقيدة، ويتجردون من الحياء والخلق الإسلامي القويم، بمثل تلك الصور المشوهة التي يتناولونها ويتحدثون عنها في كتبهم وأحاديثهم وخطبهم، كما وأننا في مجتمعنا الشيعي أيضا، وقد بلغ معظمنا من العمر عتيا. نؤكد بأننا لم نشهد في حياتنا مثل هذه الحالات المشينة والمسيئة للعقيدة أو الرموز، بمثل تلك الافتراءات الباطلة التي يتحدث عنها أولئك النفر من الناس زورا وبهتانا، بل نحن لا نفتري أو نبالغ، إذا قلنا بأننا نتبرأ من كل من يحمل هذه الأفكار والثقافة الهدامة التي تسيئ للعقيدة والقيم والرموز، والتي أكد ويؤكد عليها علماؤنا ومراجعنا مرارا وتكرارا، كما وأننا بالتالي لسنا مسئولين عمن يحاول الإساءة بمثل تلك الإساءات من خارج بلادنا مهما كان مذهبه وعقيدته.

وأما الأسئلة الغبية السطحية الساذجة، المضحكة المبكية الساخرة الأخرى، لتلك الأسطوانة المستهلكة التافهة، التي توجه لكل شيعي بمناسبة أو غير مناسبة في هذه البلاد وتنشر حولها التقارير والمقالات، وتعقد وتقام من أجلها السجالات والندوات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية، حول ولاء وانتماء المواطن الشيعي، خاصة لإيران أو حتى لغيرها، فإنها والله لمهزلة المهازل، ولا أدري كيف يمكن ربط أي ولاء وانتماء أي شيعي لإيران أو لغيرها، إلا لبلده ووطنه، لمجرد أنه شيعي وأن إيران دولة شيعية..!!

فلماذا مثلا وبالمقابل، لماذا لا يطالب الشيعي لمن يردد هذه الأسطوانة بإثبات ولائه وانتمائه لدولته بدلا من دولة أخرى أيضا سنية، كباكستان أو أفغانستان مثلا، فما هذه الثقافة المهترئة المعتوهة التي تكال بهذه الإسقاطات التافهة المسفهة، باستحضار المواقف والصراعات السياسية وإسقاطها على المواطن في الداخل، سواء كان سنيا أم شيعيا..؟!!

أخيرا أتمنى على من يحاول الخوض في هذه القضايا الطائفية، أتمنى عليه أن يكون على اطلاع ومعرفة واسعة بعادات وثقافات الشعوب، والتسلح بسلاح العلم والثقافة والإيمان الراسخ، بقيم السماحة الإسلامية التي جاء بها ديننا الحنيف وعقيدتنا الإسلامية السمحاء، عوضا عن إلقاء الاتهامات الباطلة الجوفاء على الآخر جزافا، ورميها يمينا وشمالا دون اكتراث بأية مسؤولية، وبالتالي خلط الحابل بالنابل، لمجرد نقص المعلومة في ثقافته ومستواه العلمي والثقافي والفكري، كما أن عليه كذلك بضرورة التمييز والتفريق بين القضايا والمواقف الدينية والسياسية والتوجهات المذهبية، وعدم التسرع بتبديع وتكفير الناس وإخراجهم من دياناتهم ومللهم بهذه الصور المسيئة والكتابات السادرة والأحاديث المتسرعة بجرة قلم أو بزلة لسان، فتلك عاقبة لها مآلاتها من العقاب عند الله، يوم لا ينفع مال ولابنون، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» صدق الله العلي العظيم..

وفى الختام أعتذر للقراء الأعزاء، لإسهابي في هذا الطرح المطول، سائلا الله العلي القدير، أن يجمعنا سنة وشيعة على الحب والخير والوحدة والولاء والانتماء لتربة هذا الوطن العزيز، على هدى سنة رسوله وأهل بيته الطيبين الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وأن يقينا شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن ينصرنا على أعدائنا الظالمين والمتربصين، وأن يرد كيد الكائدين إلى نحورهم. وبالله التوفيق والسداد، وهو نعم المولى ونعم النصير.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»