آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:05 ص

بيع الوهم .. الطريق إلى «الإرهاب»

سلمان محمد العيد

على ضوء العمليات الإرهابية الأخيرة التي جرت في السعودية والكويت وتونس وفرنسا نجد أن الفاعل معروف وقد أعلن عن نفسه، وإن العوامل التي أدت إلى هذا الفعل معروفة وهي موضع اتفاق غالبية المسلمين والعرب، ولكن هناك بعض المغالطات، التي تحاول بيع الوهم مقابل الحقيقة، مما يعني استمرار المشكلة، وتوقع حدوث نظائرها في المستقبل.

من المغالطات الفجة، هي إقحام الطرف الإيراني في العمليات الإرهابية، رغم أن ايران  في هذه العمليات بوجه الخصوص  بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وليس أدل على تفاهة هذه التهمة أن الطرف الذي يتحدث بها لم يورد أي دليل منطقي مقنع على أن إيران هي المنفذة لهذه العمليات.. ولا أجد من إيراد هذه المقولة غير أن من يثيرها يريد تبرئة الدم العربي من نزعة الإرهاب، والتعمية على العوامل الحقيقية المحلية وراء كل هذه العمليات، بينما نجد أن القاتل مواطن، والمقتول مواطن، فالقاتل على عداء ديني سافر مع إيران، والمقتول على وفاق ديني ومذهبي مع إيران، فكيف تكون المعادلة في هذه التهمة، بمعنى هل إيران لعدائها للمملكة تقوم بقتل أبناء جلدتها ومذهبها؟! وكيف استطاعت تجنيد من هم على عداء معها؟!.

اما المغالطة الثانية  لا تختلف عن المغالطة الأولى  فهي إيراد بأن الارهاب لا دين له ولا مذهب، فكما يوجد إرهاب يحمل اللافتة الإسلامية يوجد مثله من يحمل لافتات أخرى، شيوعية وبعثية ومسيحية ويهودية، وكما يوجد إرهاب يحمل اسم ”السنة والجماعة“، نجد أن هناك إرهابا يحمل اسم الشيعة، وبناء على ذلك يريد هذا القائل بأننا أبرياء من هذا الإرهاب وهو لا يمثل ديننا ولا مذهبنا، فديننا الحنيف ومذهبنا الشريف بعيد كل البعد عن القتل وسفك الدم.. لكن الحقيقة المرّة تقول إن الإرهابي القاتل في كل العمليات الأخيرة  التي حصلت في السعودية والكويت بالتحديد مسلم، على مذهب أحمد بن حنبل، ينطلق من منطلقات عقائدية بحتة، لم يكن مسيحيا ولا شيعيا ولا يهوديا، وفوق ذلك أقولها بكل مرارة أنه ”سعودي أبن أصل وقبيلة“! تلك هي الحقيقة، وما عداها مغالطة.. وما يثير الأسى في هذا الأمر أننا بصدد جرائم إرهابية تمت في القطيف أو الدمام بالسعودية ونفذها ابناء دولة الخلافة «داعش» وهم عرب سنة سعوديون، في هذا الوقت يأتيك من يتحدث عن جرائم الحشد الشعبي في دولة أخرى مثل العراق، أو جرائم حزب الله في سوريا، ليدلل على أن الارهاب ليس سنيا فقط، وإنما قد يكون شيعيا أيضا!!

وتوجد مغالطة ثالثة، حيث تؤكد مقولاتنا اليومية على أن العمليات الارهابية تمس وحدتنا الوطنية، وتريدنا أن نتناحر، وتلك حقيقة لا خلاف عليها، لكن الخلاف أن الوحدة الوطنية في هذا الموقف اشبه ب ”كلمة حق أريد بها باطل“، فالوحدة الوطنية شيء مطلوب، ولا أحد يشك في ذلك، وليس من السليم أن يمس أحد هذا الكيان، لكن ذلك  للأسف  صار اشبه بدواء ”الباراسيتامول“ الذي نلجأ له عند شعورنا بالألم كالصداع أو ألم الأسنان، وهو يأخذ اسماء تجارية متعددة «بنادول، فيفادول، آدول....»، نعرفها إذا حلّت الهجمة، فيما عدا ذلك يبقى في الثلاجة حتى تنتهي مدته، وهو بالمناسبة ينتهي ويستهلك قبل مدته، لكثرة ما ينتابنا من صداع يومي..

فالوحدة الوطنية خط أحمر، هذا صحيح، لكن نخبة المجتمع، وأغلبية أعضاء مجلس الشورى غير قابلين لأن يرفع إلى الحكومة مقترح قانون خاص يحمي هذه الوحدة ويحافظ عليها، وحسبنا  مقابل ذلك  النظام الأساسي ففيه كل شيء، بمعنى أن الوحدة الوطنية أفضل لها أن تكون عائمة، وضائعة في الثلاجة إذا انتابنا صداع لجأنا لها.

الوحدة الوطنية، بالصيغة التي نرفعها وتكررها أقلامنا وأصواتنا هي صيغة مشوّهة، إذ صارت مطلوبة من ”هم“ وليس من ”نا“، بينما الوحدة الوطنية تخص الجميع، والكل مسؤول عن هذا الوضع، وليست مسؤولية الحكومة فقط، ولا مسؤولية علماء الدين فقط، ولا.. ولا.. الوحدة الوطنية ليست شعارا نرفعه، إنما هي مسؤولية وسلوك نمارسه يوميا، ولا يتم ذلك  من وجهة نظر شخصية  الا بشرطين ينبغي أن يتوافرا بشكل تفصيلي هما: «الحرية، والنظام»، فالناس ينبغي أن يعيشوا أحرارا في كل شي، ولكن بسلطة النظام التي يدير حركة الحرية وحركة تفاعلات البشر، حينها سوف تجد الكل يقف ضد الارهاب، وهذا غير موجود الآن لأن الحرية غير موجودة، وإن وجدت فلا نظام لها، بدليل أن مكاتبنا تعج بالكتب الذي تشتم الشيعة، ولا يسمح لكاتب شيعي يرد عليها بكتاب، إننا نقع في مغالطة الوحدة حينما نظلمها ونجعلها لافتة على الجدار وليست نبضات في القلب.

لذلك فلا حل لهذا الإرهاب ما دمنا نبيع الحقيقة بالوهم.