آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

أيها الطائفيون.. أكرمونا بسكوتكم

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

كنا نرى بأم أعيننا هاشتاقات طائفية في ”تويتر“.. كنا نسمع بأذاننا في المساجد حدة الشحن والتعبئة ضد بعض الطوائف الإسلامية، وها نحن الآن نجني ثمار هذا الخطاب التعبوي

للمصائب المتعاقبة التي تقع علينا حسنة صغيرة، فهي تظهر بكل وضوح عمق الخلل الفكري والثقافي والأمراض النفسية التي نعاني منها. يقول أحدهم وهو يعلق على الانتحاري السعودي الذي فجر نفسه في مسجد الإمام الصادق في الكويت: ”لو قام يزيد أو شمر بن ذي الجوشن بالتفجير لحلفت بالله أن وراءه إيران“.. وأنا أقول بذات الطريقة: ”لو قام يزيد أو شمر بن ذي الجوشن بالتفجير لحلفت بالله أن وراءه الطائفية المقيتة“.. أقول لو أننا احترمنا إنساننا بصرف النظر عن دينه ومذهبه لما استطاعت التدخلات الخارجية أن تنفذ إلينا، هذه التدخلات التي علكها الناس منذ ثلاثة عقود ثم ابتلعوها وأعادوا اجترارها من جديد كسبب وشماعة لكل مشاكلنا.

بالأمس قرأت تقريرا يكشف فيه أحد مسؤولي جهاز الاستخبارات الإسرائيلية ”الموساد“، علاقة الجهاز بتنظيم داعش الإرهابي. لا أنكر وجود المؤامرات ولكن المؤامرة الكبرى هي من صناعتنا وعلى أنفسنا، نحن من سمحنا بدخول المؤامرات إلينا، ونحن من ضخمناها ككرة الثلج أكبر من حجمها الطبيعي. دع عنك ما يفعله العدو الخارجي الآن وانتبه معي للعدو الداخلي الذي ابتكر مفهوما كارثيا جديدا بدأ يستشري في أوساطنا باسم ”العدالة الطائفية“، فكما أن هناك تفجيرا لمساجد الشيعة في السعودية، هناك تفجير لمساجد السنة في العراق، وكما أن هناك دماء للمصلين الشيعة قد أريقت في الكويت فهناك قرار بإعدام 7000 سني في العراق. الكل هنا يتظاهر بمظهر الضحية المستهدفة، الكل هنا ينوح بانتمائه لطائفته ويبكي دموية الطائفية غير مستوعبين أنها ذنبنا جميعا. ثم بعد ذلك نتحدث بكل صفاقة عن مؤامرة خارجية، هذه النظرة المضروبة التي تسعى إلى إبراء الذات من مسؤوليتها لا نرى فيها إلا انعكاس تطرفها وعنصريتها.

يموت السعوديون ونحن نضج، يموت الكويتيون ونحن نضج، يموت الليبيون ونحن نضج، يموت السوريون ونحن نضج، يموت العراقيون ونحن نضج.. هنا شيعة، هنا سنة، نتقاذف الشتائم، ونطلق اللعنات، ثم نصرخ، إنها إيران، إنها إسرائيل، إنها أميركا! تجلدك سياط الطائفيين طوال الوقت، ثم يأتيك من يقول لك بكل برود: لماذا تمارس جلد الذات؟! في الحقيقة لا يوجد شيء اسمه جلد الذات، ولا أحد يمارس جلد الذات، ولكن وقفة حق من محيط مريض لا علاج له إلا دواء الإقرار والاعتراف، وليس هذا يأسا بقدر ما هو مواجهة حقيقية مع وضع مشحون داخليا نحن أكثر من أسهم في صنعه. نعم، مصائبنا بما كسبت أيدينا، كنا نرى بأم أعيننا هاشتاقات طائفية في ”تويتر“، كنا نسمع بأذاننا في المساجد حدة الشحن والتعبئة ضد بعض الطوائف الإسلامية، كنا نشاهد في بعض الفضائيات حوارات الشر المعبئة ضد الآخر، وها نحن الآن نجني ثمارها في زرع مشاعر الكراهية في نفوس أبنائنا الناشئة، فلا عجب حينئذ أن يتحولوا إلى قنابل مدمرة، وما ”داعش“ إلا أبرز تجليات هذا الخطاب التعبوي.

أخيرا أقول: خير لنا جميعا أن نطبق ألسنتنا ونصمت، خاصة عندما تأخذ حادثة إرهابية دموية مكانها الطبيعي بيننا، أرجوكم أن تلوذوا بالصمت إكراما لنا ورحمة بموتانا، فهو أفضل ما نقابل به صنيعتنا، فلنسكت، لقد ضج الموتى من طائفيتنا.