آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 3:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

منطق الخطاب الطائفي: إما نحن أو أنتم!

محمد الحرز

إذا ما تحدثت عن جرائم داعش وخطرها على تمزيق النسيج الاجتماعي، يقفز في وجهك من يقول لك: لماذا لا تتحدث عن جرائم الحشد الشعبي؟! وكأن من يملك مثل هذا المنطق يخاف من تحمل المسؤولية وحده، ويريد من الآخرين أن يتحملوا معه المسؤولية؛ لأنه يدرك في قرارة نفسه فداحة الخطر والتوحش الداعشي الذي لا يوازيه أي خطر آخر. ولا يظن أنني أدافع عن الحشد الشعبي هنا. 

لكني لا أريد بالمقابل أن أتعامى عن حقيقة كون داعش هو من قام بالتفجير في مسجد القديح والعنود وقبلها بالهجوم على حسينية في الدالوة بالأحساء، وإزاء ذلك لم نسمع أو نشاهد خلايا نائمة من الحشد الشعبي فجرت مسجدا من مساجد المملكة. 

المنطق الأعوج هو من يريدك أن تصدق المقولة التالية: ما دامت داعش بهذه الخطورة والقوة والوحشية، فلابد أن يكون ما يقابلها في سياق التفكير الطائفي وهو الحشد الشعبي أيضا يتصف بذات الخطورة والقوة والوحشية. 

هذه الثنائية في التفكير الطائفي «إما أنتم أو نحن» هي التي تعمي عن النظر إلى الواقع وإدراكه والانطلاق منه لتحليل الأمور والحوادث. لذلك أقول: أولا - مشكلتنا في السعودية ليست مع الحشد الشعبي كما يروج له البعض، هذه أزمة تمس الدولة العراقية في علاقتها بقضاياها الاجتماعية والسياسية والطائفية. 

ثانيا - الحشد الشعبي لا يملك خطابا تكفيرا شموليا متخلفا، ولا خلايا إرهابية نائمة في أنحاء العالم كما هو الحال مع داعش، وعلاوة على ذلك لم يقاتل خارج أرضه العراق. وإذا ما اعترض أحدهم وقال: إن هذا الحشد يقتل السنة، ويرفع شعارات طائفية، وأن إيران تدعمه وتغذيه فإننا نقول: هذه مشاكل الشعب العراقي، لا ينبغي التدخل فيها ما دامت لم تتدخل في شؤننا كسعوديين. 

ثالثا - داعش هي المشكلة الأساسية التي تمثل خطرا ليس على أمن المملكة وإنما على أمن الخليج والوطن العربي. لذلك ينبغي التخلص من ثنائية التفكير «سني - شيعي» إذا تعلق الأمر بداعش.

لقد انشغل الناس كثيرا، في الآونة الأخيرة، سواء عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر الصحف الرسمية للإجابة عن سؤال: من صنع داعش؟ أو من الذي يقف وراءها ويدعمها؟ ووفق الإجابة راح كل طرف يكيل الاتهام للطرف الآخر، والكل منهم يستعرض أدلته ومعلوماته الموثقة حسب رأيه، في لعبة عبثية لا تخلو من تكريس الانقسام الطائفي، والنتيجة لا شيء موكدا على الإطلاق. 

اللعبة أكبر من أن نستوعبها لا سياسيا ولا اجتماعيا أو ثقافيا. لذلك على خطابنا السياسي والثقافي التخلص من فكرة الاتهام الخارجي فيما يخص صناعة داعش، والتركيز على محاربة داعش فكريا وإعلاميا، ومحاولة الكشف عن طرق تأثيره الفكري على شريحة واسعة من الناس، وبهذا يمكن أن نوحد خطابنا حول قضية مركزية تمس أمننا القومي من العمق، وتمنحنا الفرصة سنة وشيعة كي نتوحد أيضا حول عدو مشترك. 

لكنني أعلم من جهة أخرى أن هناك شريحة واسعة من مجتمعنا تؤيد داعش، بل وتدعمه، إنها الحقيقة المفجعة التي ينبغي أن نعترف بها ونواجهها بشجاعة مطلقة، ولا تكون المواجهة إلا بخطط وبرامج مدعومة من أطراف متعددة ومتنفذة، بدءا من المؤسسات التعليمية والثقافية للدولة وانتهاء بالمؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية. 

بالمقابل هناك الكثير من أبناء الوطن من يؤمن بالفرد باعتباره مواطنا له حقوق وعليه واجبات، وعلى الدولة أن تتعامل معه على هذا الأساس، بعيدا عن التصنيفات القبلية أو الطائفية أو المناطقية. 

بيد أن تحقيق مثل هذا الإيمان لا يحدث من فوق، من رأس الهرم، بل في الأغلب الأعم من القاعدة كما أخبرتنا التجارب الليبرالية والديمقراطية لدول العالم، وهو أشبه ما يكون بكرة الثلج التي تتدحرج. 

لكن الدولة والمجتمع هما اللذان يتحكمان باتجاهها ومقدار سرعتها. فهل أزمة داعش تفرض على الدولة والمجتمع المراجعة والإصلاح، ووضع المرايا الكاشفة عن العيوب والثغرات للذات أمام نفسها؟ وهل بالإمكان نشهد في المرحلة القادمة سياسة الاعتراف بالأخطاء في علاقاتنا الاجتماعية الطائفية، أليس يقال الاعتراف بالحق فضيلة؟! علينا أن نبادر بهذا الاتجاه سنة وشيعة لنبني خطاب مصالحة نحمي به وحدة الوطن، ونحرك به كرة الثلج باتجاه الإصلاح المنشود.