آخر تحديث: 18 / 4 / 2021م - 4:24 ص

الإمام علي وأنسنة الاختلاف

أحمد الهلال صحيفة اليوم

قل لي ألا تأسرك لغة المتنبي؟!، بل قل لي من منا لم تأسره هذه اللغة الذي جاء بها شاغل الناس، وأعني بها تحديدا اللغة التي تخاطب الإنسان. أظن والله أعلم بأننا حينما ابتعدنا عن لغة الجمال والحس الإنساني التي جاء بها المتنبي وغيره من الشعراء بدأ الحس الإنساني فينا يتراجع، وحينما يتراجع الحس الإنساني من الطبيعي أن نعود القهقرى، ومن الطبيعي حينها كذلك أن يشوه لدينا مفهوم الحضارة، وقبل أن استرسل بالمقال لست ممن يقول إن كل ما أتى به المتنبي جميل، فللمتنبي في ظني سقطات ليس هنا مكان الحديث عنها وهذا الكلام ينطبق على غالبية الشعراء، ولقد تحدثت عن بعض سقطات المتنبي في مقال سابق، ولكن ما يعنيني هنا مفردة المتنبي الجميلة أو ما جاء به المتنبي من جمال اللغة أي المفردة الإنسانية، لأقول في النهاية إننا نعيش أزمة لغة على مستوى النخبة خصيصا وما دونها، أي ما يعرف اليوم بأزمة الخطاب الثقافي العربي بكل مكوناته، لأن لغة الخطاب في الغالب لدينا لغة متشنجة، لغة الحس الجمالي والإنساني فيها ضعيف، لغة محبوسة في مفردات أقرب لمفردات الحرب من مفردات السلام، ولهذا هي أقرب لقول الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي:

«طحنتنا في مقاهي الشرق حرب

الكلمات والسيوف الخشبية»

وبالتالي هي لغة غير متصالحة مع الإنسان، لأن لغة الجمال يشترك فيها الإنسان أيا كان لونه أو انتماؤه، إنها لغة تخرج منك أجمل ما فيك، لأنها مليئة بالحس الإنساني الذي يأخذ بتلابيبك من حيث لا تعلم!، أنها آسرة حتى مع من تختلف معه ومن هنا في ظني يكمن جذر العطل في خطابنا الثقافي، مع التنبيه بأن حديثي هنا ليس رومانسية كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، فأنا حينما أدعو إلى جمال اللغة أرمز إلى الجانب الأخلاقي الإنساني، الذي هو صنوان للغة الجمال، فمتى ما فعلت مفردته استطعنا أن نوجد خطابا ثقافيا حاميا للسلم المجتمعي.

وفي ظني إن كان للغة الجمال والإنسان أب فهو لن يتجاوز الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لماذا؟ لأن القارئ لسيرة علي بن أبي طالب، يكتشف تجليات لغة الجمال والحس الإنساني في أصعب المواقف التي مر بها الإمام علي، ففي حربه التي فرضت عليه تجده ينعت خصومه بأنهم «إخوتنا بغوا علينا» فهو يراهم إخوة له حتى وإن اختلف معهم، فلم يخرجه خلافه معهم لأن ينعتهم بأقبح الصفات، أو يقول فيهم ما ليس بهم، كما هي عادة المتخاصمين في الغالب فهو منسجم مع مقولته الشهيرة «الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» وهي تحمل حسا إنسانيا عاليا، وكأنه يقول اختلافك مع الآخر أيا كان لا يخولك أن تنتقص منه وبالأخص إن كان شريكك في الوطن، كم منا اليوم يعمل على هذه القاعدة!!. انظر إلى قصته الشهيرة مع اليهودي الذي ادعى أن درع الإمام له، فبرغم ثقة الإمام علي بأن الدرع مسروقة منه، كان جوابه للقاضي حينما سأله «إنها درعي ولم أبع ولم أهب»، فلم يقل إنها درعي وسرقها ذلك اليهودي حفاظا على كرامة خصمه، واحتراما للقضاء الذي احتكم له، وهذا ما جعل اليهودي بعد خروجهما من القاضي أن يعيد الدرع للإمام علي ويعلن إسلامه متأثرا بالموقف. فأينما تقرأ عبارة او موقفا مر به الإمام علي إلا وتجد الحس الإنسان في لغته عاليا جدا، ولو كان المقام يتسع لَذكرنا أمثلة أخرى ولكن بالإشارة يفهم اللبيب.

ولهذا نحن اليوم في أمس الحاجة لأن نتحدث في خطابنا الثقافي بذات اللغة التي حملها الإمام علي في حياته، لماذا؟. لأن لغة الخطاب المتشنج والبعيدة عن الحس الإنساني، وتحديدا في حالة الاختلاف في وجهات النظر، سوف تصيب الفرد شئنا ذلك أم لم نشأ بالتعالي والعنصرية تجاه الآخر، لأنها لغة تريد أن تسقط الآخر ولا تحمل في مفرداتها الشراكة حتى ولإن قال أصحابها ذلك، مما يجعلنا في كل مرة ندور حول الأزمة دون حلها، والسبب في ذلك المفردة المتعالية من كل طرف، فالإمام علي كان يقول: لك حريتك ولي حريتي فيما نعتقد، وضابط هذه الحرية هي اللغة الإنسانية المتعقلة.

وختاما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: ما أحسنت إلى أحد قط ولا أسأت إليه! فرفع الناس رؤوسهم تعجبا فقرأ: «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها».