آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إعاقة القبح

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

لكل مجتمع حقيقة يجليها سلوكه العام، وبيئته، وأهدافه الكبرى، يظهر لك عقله في سعيه، وسبل رزقه، يظهر لك ضميره في حال الفقر والفقراء فيه، تظهر لك عفته في المسالك التي تسلكها إناثه وهن آمنات السعي والمنقلب. ويظهر لك رشده في تنوعه بالعمران والنظافة والرقي وحس الجمال فيما يصطفي ويختار.

إعاقة القبح هي أن يفقد المجتمع حسه بالجمال، وهي إعاقة باهظة التكاليف، تبلغ إلى 15 في المائة من الميزانية العامة في بعض الدول العربية.. لأن شعبها معوق بتدمير كل شيء حوله من الأملاك العامة.. ومختل سلوكيا في حب القذارة.

في باكستان طلب أحد الأئمة من علي بوتو معونة لمدرسته الدينية التي تخرج رجال دين ودعاة، فطلب علي بوتو أن يزور المدرسة برفقته، وما أن وصل إلى هناك.. حتى أسرع إلى دورات المياه.. وجدها في حالة مزرية جدا، ومقرفة جدا.. ونتنة بما لا يطاق، وسارع الشيخ القائم على المدرسة.. للاعتذار أن هذا من مظاهر العوز، وقلة ذات اليد، والفقر، لعدم وجود عامل نظافة.

ولكن بوتو رد بغضب: ليس بإنسان سوي من يحتاج إلى من يزيل أوساخه من خلفه..!! الدواب وحدها هي التي تحتاج إلى من ينظف لها المكان الذي تستعمله، وهي البهائم فقط، فكيف لرجل يريد تنظيف قلوب الناس، وهو عاجز أن يكون نظيفا؟!

إذا كانت المدارس وهي مهد صناعة التحضر هي بهذا القدر الهائل من انعدام النظافة، وعدم المبالاة، وعدم الشعور بالمسؤولية، أو الحس بالرقي.. في الطلاب، فهذا يعني أننا ننتج ثقافة القبح.. وأن وجود عمال نظافة بعدد متزايد هو شهادة بشرية حاضرة، وقوية على أن المجتمع معوق بالقبح، وأنه لا يزال في مراحل العصر الحجري، حيث يعجز أن يكون نظيفا، وحيث كان عاجزا عن مواراة أخيه حتى بعث الله له غرابا، يخبره أن المواراة هي فريضة الميت فتعلم دفن الميت، ولم يتعلم من الغراب نظافته، ورقيه في المكان الذي يعيش فيه، وبالقرب منه..!

المدن الكبرى ينبغي أن تكون فيها دورات مياه، بكميات كبيرة قادرة على تأمين حاجات مرضى السكر، والعابرين، ورغم ضخامة الأموال التي تصرف عليها تنفيذا وصيانة، إلا أن إعاقة القبح، وانعدام الجمال، يجعلانها غير صالحة للبهائم.. فضلا عن الإنسان..!

كل المرافق العامة تعاني التدمير المتعمد، وهي من ضحايا هذه الإعاقة العقلية والنفسية، وفي الوقت الذي تحتاج دول الخليج إلى مليارات الريالات تنفقها على عقود النظافة، والمرافق العامة.. تحول ثقافة الجمال في المجتمعات الراقية هذه الثروة للتعليم وللخدمات الصحية، ولتقديم خدمات أفضل للمتقاعدين والفقراء.

تتحول خسائر إعاقة القبح إلى عوائد رفاهة للمجتمع، وصناعة مستقبل، لذا لا تجد أسرة في اليابان تترك خلفها، ورقة واحدة في حديقة عامة، أو على شاطئ.. إن حسهم بالجمال مرتفع جدا، ورفيع جدا، وأصيل فيهم.. ولن تجد هذا في أي دولة ارتفع شعبها لمستوى ثقافة الذوق العام والجمال.

عار ومخز جدا أن ينفق من المال العام لكل إشارة مرور عامل نظافة على مدار الساعة، لأن المجتمع لا يزال حتى الآن يعيش العجز من أن يكون نظيفا..! والعجز من أن يترك ما حوله نظيفا.. ولو بقدر الشارع الذي يعبر عليه..! أو الإشارة التي يقف عندها..! هذه الثروات الهائلة التي تصرفها دول الخليج، ليست للنظافة كما نتصور، بل هي عوض إعاقة عقلية ونفسية لمجتمع لا يزال يعاني إعاقة القبح والقذارة..! وحيث إن العلاج عسير، وطويل أجله، إن أمكن الشفاء منه أصلا، فإن البديل الصحيح هو تخصيص دورات المياه العمومية لتقدم للناس بالمستوى الرفيع، والصحي، ومدفوعة القيمة. حتى يمن الله على المجتمع بالخلاص من إعاقة القبح التي يعانيها كثير منهم.. ويتسبب في هدر المليارات سنويا.