آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تجربة ناجحة في التخلص من الفقر

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

في بداية شهر رمضان، كتبت عن أهمية أن تجتمع العطايا والهبات لتحيي حياة تامة كاملة لفقير عاجز. لا يهم العدد في كل مرة، لكن الأهم النجاح فيه، الأهم القدرة على إيجاد واقع مختلف بعد كل ضيافة لله، وبعده، حتى يتحول العيد للمسلمين عيدا للتكافل، والرحمة، والمسؤولية الاجتماعية الحقيقية.

صناعة العادات الجديدة النافية للفقر ضرورة، ينبغي ألا نتعجل استقرارها، فهي تأتي بعد إلحاح وصبر، وعزيمة في بقائها وتوريثها.

لقد رأيت نموذجا مشرفا هو ما قامت به - جمعية القطيف الخيرية - التي من بداية شهر رمضان، أعلنت عن وجود أربع أسر من الأيتام تحتاج إلى مساكن، وأعلنت عن قيمة المباني، وخصصت حسابات مخصصة ومراقبة، وقسمت هذا المبلغ بواقع ألف ريال إلى 500 ريال من كل متبرع كحد أدنى، وبدأت بالعد التنازلي للرقم. حتى أغلقت الحساب في يوم السابع والعشرين من رمضان بتحقق حلم أربع أسر فقيرة بتملك أربع وحدات سكنية صغيرة، ترفع عنهم ثقل الإيجار مدى الحياة.

هذه التجربة التي تكرر مني الطلب بوجودها في كل مناطق المملكة على أن تتسع للمؤسسات والشركات، وعلى أن تكون بذات القيود والشروط في الشفافية والرقابة، والوضوح. والصدق.

الفقر عنوان كريم لاكتشاف حقيقتنا من خلاله وبه.. الفقراء في كل مدينة، حالهم يروي قصة ضمير المدينة التي يعيشون فيها.. دعونا نبدأ في كل قرية من صدقات أهلها، وفي كل مدينة بالعد التنازلي لمكافحة الفقر، دعونا نبعث الفرح من خلال الضمير الوطني يتقدم والفقر يتراجع، هذا الشعار هو ذات شعار الشعب الجزائري العظيم حين قرر تخضير الصحراء، كتب الجزائر تتقدم والصحراء تتراجع، من أجل إيقاف التصحر، وزحف الرمال، وانتصرت فعلا الجزائر كما هي معتادة على النصر.

وزارة الشؤون الاجتماعية، ليس مطلوبا منها أكثر من دعم هذه المبادرات، أن تقف خلفها، أن تشجعها، أن تقدمها مرئية، دون فضح الفقراء، ولا التشهير بهم وهم يقبضونها، أن تتولى قيادة المبادرات بتحديد الأولية للحالات، إن بعض الحالات تكفيها شقة تمليك لا تزيد على نصف مليون ريال، ولعل هذا الرقم يتكفل به متبرع واحد إن أيقن بالله وبالنزاهة والشفافية وعدم المحاباة أو التمييز.

سوف أستبق الكثير من الاعتراضات للقول إن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر اقتصاد في العالم، وميزانيتها تريليونية كما يعرف الجميع، ورغم ذلك هنالك جمعيات للإسكان الخيري، وللإسكان غير الربحي، وتمكنت هذه الجمعيات من تأمين نصف مليون مسكن خلال عشر سنوات فقط.

إن حالات من الفقر عاجزة عن شروط وزارة الإسكان، وإن جمع الصدقات في يد واحدة لصرفها على فقراء محددين لعلاج مشكلة مزمنة هو ضرورة قصوى لكثير من الحالات التي نجدها في قوائم العاجزين والفقراء والأيتام والأرامل.

وما زلنا نعيب على مكافحة التسول، هذه المظاهر المخجلة في الطرق العامة، التي يديرها عدد متزايد من العمالة السائبة، والعابرون فوق النظام، وعبر الحدود. لأن هذه المظاهر هي التفريغ المنظم للصدقات، وصد عن وصولها لمستحقيها وأهلها، وإساءة عظيمة للبلد وأهله الكرماء.

نكرر لجمعية محافظة القطيف هذه الخطوة المباركة، ونأمل اتساع هذه التجربة لنجدها قد حققت نقلة نوعية لمفهوم الصدقة، وإدارتها بالشكل الصحيح.