آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 2:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفاصلة التي لا تنتهي بنقطة

محمد آل عمير

الأمكنة التي نُؤنس بها لحظة اكتشافها للتو، كالعين التي تُغمِض أهدابها على أمكنة عاشتها من قبل، نراها وكأننا شاهدناها وكأننا عشنا فيها وتركنا أثرنا عليها، نشاهد قسماتها تحيط بنا كما تحيط خواطرنا بمشاعرنا وذكراتنا، لكل مكان نحفظه في سجلات العين، هو مكان يستعيد روحه في مكان آخر يشبهه، كالأجساد التي تتلاقى بتآلف مع مَن يشبهها، كالأرواح التي تُؤنس بمَن تبوح معه وتحكي إليه، نشاهد والمشاهدة بحد ذاتها آفاق تسرح في تجلياتها النفس وتنطلق نحوها بانشراح وكأن المكان جزءً من هذه النفس وشيء تفتقده النفس وحينما التقت به كانت سعيدة به،

الأحداق ترى وتنصت للأمكنة التي كوّنت لها معنى في معجم الوجدانيات؛ ترى حينما تأتي الألوان إليها لتُشكل لها لوحة المكان، تنصت حينما تُصافح المكان بوِصال القلب وتأمل العقل، في التفكير بعنونة عاطفية وموضوعية للمكان الذي يحيط بهذه العين،

وفي تصفيف الكلمات لأجل المكان؛ لأنه لا يُراد له أن ينتهي في محبرة النسيان ويجف الحبر؛ وبالتالي لا تستطيع العين بعدها الكتابة وتدوين الجميل من الأمكنة المتجذرة في ذاكرتها، ومن جمالها وأُنسها لا يُراد لها كذلك أن تسير بفاصلة وتنتهي بنقطة،

هي صفحات وصفحات تمنح للسطور قوافيها وأناشيدها وتراتيلها كي تبقى وإن نُسيت وإن اندثرت من الوجدان؛ ستبقى منقوشة في جذوع السطور بتجذر كل معنى جميل فيها، وسمو كل غصن حياة كان يحيط فيها،

ومن أمثلة تلك الأمكنة: هي التي تركت أثر الصلاح والخير واللطف والإحسان في كينونيتها ومضامينها، كمرقد أنيس النفوس إمام المسلمين من سلالة أهل بيت النبوة الإمام علي بن موسى الرضا ومرقد أخته السيدة فاطمة المعصومة أبناء الإمام السابع موسى الكاظم عليهم الصلاة والسلام

هكذا هم الطاهرين المُطهرين يزرعون في الأمكنة نورٌ لا ينطفئ وأثرًا لا يتبدد، وأُنسًا لا يغيب، وجمالًا لا يغادر الوجدان، ومتنفسًا ينثر في القلب أحرف العشق وكلمات الحب والولاء لمن هم تحت الثرى ولكن أسماءهم وأرواحهم كالثريا تزدهر بها السماء وتضيء عتمة هذا العالم وعتمة أنفسنا.