آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 10:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الجامعات السعودية الخاصة.. والمسؤولية الاجتماعية

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

العلم غالبا يتضمن الاحتفاء بالعطاء والخير ومحبة الناس، والجامعات الخاصة التي تكاثرت بهذا القدر الكبير الذي نبصره ونراه، كان الرجاء فيها أن تسهم من خلال أرباحها الهائلة في خدمة الوطن، وأن تنقل المجتمع بأكبر قدر ممكن من الوعي والمعرفة والرقي وفرص التطور والإبداع وسبل الخير.

ليس لكاتب هذه السطور رغبة في إجحاف المحسنين منهم، ولا تجاوز من أسهم ولا يزال يسهم في تقديم فضيلة التطهر من الجشع واستغلال عوز وحاجة الوطن والمجتمع إليه. بما كان يعبر عنه في فقه المعاملات  بسلوك الاحتقار  أن الفرص تضيق على عدد من الطلاب، في الجامعات الحكومية، في التخصصات المرغوبة، فتتربص له تلك النفوس الجشعة التي لم تتجاوز ذاتها، وأنانيتها، فتفرض عليه أكثر مما تستحق من الربح أضعافا مضاعفة، وهو بين يدي وزارة تعليم تخلت عن الرقابة عن القيمة العادلة، وبين وزارة تجارة رأت نفسها غير مختصة نوعا ما في قيمة التعليم الجامعي، ولا تصنيف الجامعات، ولا وضع معايير ثابتة وصحيحة وعادلة للساعة الجامعية. فنجد مثلا سلوكا لا يثير الطمأنينة في نفوس الكثير من المراقبين، من عدد غير قليل من الجامعات الخاصة، التي كانت الآمال أن تكون كالجامعات الخاصة في اليابان والهند والولايات المتحدة، أن تستوعب عددا غير قليل من النابغين مجانا دون مقابل، وأن تستوعب الأوائل في دفعات المتخرجين ليختار كل واحد منهم التخصص الذي يرغب فيه ويقرر أن يبدع فيه خدمة لوطنه والمجتمع.

مع بقاء التكاليف عند عدالة التبادل مع المجتمع ورسالة التعليم التي تستند إلى الفضيلة والقيم الأخلاقية العليا. فما إن أعلنت الدولة أنها ستعتمد نظام الابتعاث الداخلي وبقيمة 70 ألف ريال سنويا، فورا دون سبب مقبول، رفعت هذه الجامعات قيمة السنة الدراسية إلى 90 ألفا و75 ألفا بزيادة تجاوزت 45 في المائة في بعضها! وكأنها تقول إن مال الوطن ومال الدولة حلال نهبه، ولو كان بغير حق وبخلاف الأمانة الأخلاقية والعلمية، ويتناقض مع رسالة الجامعات والفضيلة والنزاهة وشرف المهنة والأمانة التي يفترض أنها أول من سيتولى تعليم وترسيخ هذه القيم للمنتسبين إليها.

في مكان ما حيث تتوقف وزارة التعليم، وتتباعد وزارة التجارة، تصل تكلفة الساعة الجامعية للطب والهندسة مثلا حتى في مراحل المقدمات المتعارفة إلى ثلاثة آلاف و850 ريالا. وهذه التكلفة لا يدفعها الطالب الأمريكي ولا الأوروبي حتى في ساعات التشريح التطبيقي! وتحصل بعض هذه الجامعات على ما يعادل 100 ريال على كل دقيقة يتكلم فيها الأستاذ من كل طالب يحضره، حتى لو كان محاضرا متدربا بمرتبة ماجستير فقط وبراتب هزيل ومتواضع! بمثال مطابق للواقع بشكل أوضح يتقاضى المعهد البريطاني لتعليم اللغة الإنجليزية مبلغ 8500 ريال لتعليم الطالب المنهج ذاته الذي تقبض فيه الجامعات الخاصة مبلغ 2400 ريال للساعة الواحدة!

في الواقع لا خيارات كثيرة للناس، وليس بأيديهم حيلة ولا وسيلة، ولا أمل في تطبيق حقيقي لكثير من شعارات الجامعات الخاصة، في تبنيها الوطنية، والإسهام في صناعة المستقبل، ومع غياب الرقابة عليها، وفرض ضوابط حقيقية على تكلفة التعليم الجامعي، سينتهي إلى مزيد من انتهاب المال العام، وأموال الناس، فمن أمن العقوبة أساء الأدب. وتجربة التعويل على الضمير والوطنية والمسؤولية الأخلاقية لم تنجح في هذه الجامعات أبدا. وإني على يقين أن السيطرة على هذا الانفلات من وزارة التعليم، سيكون وحده كافيا لتوفير عشرات الملايين، كافية لرفد المئات من المتخرجين في فرص تعليمية يستحقونها تصنع مستقبلهم العلمي الذي نترقبه ونحتاج إليه.