آخر تحديث: 19 / 2 / 2020م - 7:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخليج.. والحلول المؤلمة

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

لقد نشأ الناس على ضفاف هذا الساحل الطويل من الخليج العربي، على صفات ليس منها وعي التحول والتبدل، فقد تعاقب على أهله الرغد، والوفرة، والسعة، إلا بقية قليلة من القادمين من شظف العيش، وقلة الموارد، وضعف السبل، في كفاية غائرة المرض، والجوع والحياة الكريمة بتواضع متطلباتها وآمالها، وشهواتها. فكل شيء عندهم بقدر وتقتير حتى الأماني والشهوات.

الحلول المؤلمة التي يوصي صندوق النقد الدولي دول الخليج بها، لا يزال الإنسان في الخليج لا يتصور أنه معني بها، ولا كجزء من الحل، أو جزء من المشكلة.

إن عددا غير قليل من هذه الدول الصغيرة تعاني إسفاف سفيه في هدر كل شيء، الطاقة، والماء، والكهرباء، وحتى الطعام، والمحاصيل الزراعية وإهلاك الثروة الحيوانية لتغطية التباهي الاجتماعي، والتفاخر بالكرم بما يزيد على حفظ نعمة الله ورعايتها، والقيام بالوفاء بالحق المعلوم للسائل والمحروم منها.

ولهذا بات من الطبيعي أن تستهلك بعض هذه الدول قرابة نصف ما تنتجه من النفط، فقط لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي، وأن تحلية المياه التي يشكل الهدر فيها نسبة تزيد على 48 في المائة منه. يستهلك كثير من الطاقة حيث يصبح لتر الماء أعلى تكلفة من لتر البنزين في بعض هذه الدول، إلا أنه لا يزال كثير من المواطنين والمقيمين يتعاملون معه دون الحد الأدنى من المسؤولية. هذا المثال البسيط الذي نذكره لا يختلف كثيرا عن إنتاج محاصيل زراعية بكميات هائلة تستهلك كميات عملاقة من المياه، ثم يتم تصديرها لتباع بأقل من تكلفة إنتاجها الحقيقي، وتكلفة نقلها للدول المجاورة. في سلوك لا يتصف بحسن التدبير والتقدير.

إن هذا لا يختلف كثيرا عن كون الفرد والمطاعم العامة في الخليج تتلف قرابة 40 في المائة من الطعام الصالح للاستهلاك الآدمي. وأن المناسبات الاجتماعية العامة هي في حقيقتها مهرجان يحشر فيه الناس للتباهي بمظاهر البذخ وإهلاك كميات هائلة من اللحوم والطعام بذاك الوصف البغيض الذي وصفه الله في كتابه الحكيم حين تحدث عن الذين بطرت معيشتهم والنفس الطاغية بالنعمة «إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى». فرؤية كثير من الخليجيين أنفسهم أغنياء، جعلهم يمارسون الطغيان الحقيقي في كفر النعمة، وعدم مراقبة الله فيها، أو عدم الخوف من زوالها وتبدلها.

في مقال سابق رويت لكم عن قوالب الذهب الخالص، الذي يصهر لسيارات أثرياء الخليج، وعن صالات الأفراح التي تنتهي تكلفة الليلة الواحدة فيها بتكلفة، إنشاء مصنع إنتاج كامل بكل معداته وتجهيزاته وكل الأرزاق التي ستقتات منه وعليه دائما. وعن فساتين يتم شراء الواحد منها بنصف مليون ريال لليلة واحدة فقط، وغيرها كثير مما يفوق الوصف، ويلامس صعوبة تصديق أن يصدر من عاقل يؤمن أن له موعدا مع ربه سيحاسبه عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.

لست بحاجة إلى التذكير أن مفردة الخليجيين أذكرها بقصد التبعيض وليس الاستغراق والعموم، فكلنا نتذكر التعليمات المخجلة التي وضعتها بعض فنادق أوروبا، والتوجيهات السلوكية لمراعاة النظافة في الحدائق والطرق العامة لأنهم معتادون أن تمشي الدولة خلفهم بجيش هائل من عمال النظافة يلتقطون نفاياتهم حتى في المساجد والبيت المعمور.

في تقديري لقد حصحص الحق، وجاء ما كنا منه نحيد، من ضرورة مواجهة أنفسنا بواقع جديد، يحتاج أول ما يحتاج إلى يقظة عقل، وبصيرة فكر، يستيقظ على ضمور الموارد، وتغير القدرة، وترقب ما هو محتمل وليس بمحال، لأن لله سننا غالبة، ولله قدرا لا يرد ولا يستبدل ومن يشكر نعمة الله عليه، لا يحرمه الله منها. فهل نبدأ بحياة اجتماعية تقبض على المسؤولية المشتركة تجاه الترشيد ومحاربة مظاهر الترف وكفر النعمة.