آخر تحديث: 17 / 2 / 2020م - 10:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحج وفلسفته

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

فيما يمكن إدراكه، وبقدر ما يحيط القلب بعلمه، على قدر ارتعاشه للروح وقد دنت، وكانت قريبة النجوى، في مساربها ومسالك صعودها عن ذاتها، وماديتها، وحسها الغالب.. إلى الغيب المكنون المتواري في ظهور غامر دافق عامر في هذا المكان البسيط المبسوط.. الذي تختلف في جوانبه أشكال القرب من الله...! باختلاف القلوب وقسوتها، أو باختلاف الوعي ومراتبه، أو باختلاف الإدراك في انفتاحه على الله. وبعده عنه، وانسداد السبل الموصلة إليه..

هذه الفريضة المتفردة - الحج - ربما سبب كون الفرض فيها مرة واحدة في العمر، لأنها ميلاد للنفس في أطهر حالاتها، وميلاد للروح في أعمق لحظات التجرد من النفس، وقد انتزع منها كل مظاهر القوة والتميز أو حتى الإشارة إليه، أو الإحساس به، كأن وظيفة الإحرام لا تنتهي عند هذا الفقر العاري العام.. الذي يجعل الحاج ينصهر في هذا الموج الذي يرمل بقدميه رمال عرفات ومزدلفة.. وينتشر فوق جبال منى وسهولها، لا يملك لنفسه صفة هي أكبر من هذه العبودية الخالصة لله.. والتي بها وحدها سيقف بين يديه، هذه صفته، وهذا نعته.. وهذا القميص الأبيض الذي يلملم شتات الناس، ويلفهم على قيمة واحدة، وحس واحد، وبصر واحد، وقصد لا سبيل غيره.. وتلك الأمنية الشرود في قلوب المؤمنين رحمة الله له، ونيل الرضا، وتمام الرضا بكريم عنايته ورأفته وحنانه...!

يقال إن ميلاد البصيرة لا يتكرر أكثر من مرة واحدة، كما هو الوحي إن تجلى، كما هو كمال العقل إن تم، كما هو تمام النضج في النفس كما هو تمام غسق العشق.. في كلها وبتمامها وجميعها.. لا تكون إلا تامة كاملة في غير نقص...! وهذا دلالة أن يكون الحج مرة واحدة بخلاف الصلاة والصوم.. وغيرهما.. لأنه يمثل ذاك التمام من البصيرة.. التي يرتفع بها سالك الحج رفعة لا ينخفض بعدها إلا بخزي اختاره لنفسه عن عمد...! ولأن النفس تنفتح بعد الحج ومناسكه على كثير من الصلاح في باطن القلب ومستقره ومستودعه.. على ارتجاف الدعوات الصادقة.. والواهنة ترقب النفس هنا كيف تلفظ الملائكة معه الدفق الأخير من النور.. والجلال.. في إجابة الله بقلبه وروحه وجسده بتمامه كله.. لبيك اللهم لبيك...!

الصلة بالله دائما تكون ناقصة. ودائما تكون في وقت عابر قصير معتاد، وغالبا تكون في تلك الأماكن التي نحن معتادون عليها ونألفها ونقصدها ونختارها.. ولكن هذا القصد هنا بالحج يختلف كليا وجوهريا، إن الحاج يتجرد بتمامه عن كل شيء ليكون هو فقط لربه.. أو بعبارة أخرى.. أنه يأتي هنا بكل الفقر والتجرد وعصمة النفس بهذا القدر العظيم من التذلل ليقول لله وحده وبكل صدق هذه المرة لبيك اللهم لبيك.

هذا مداد يمتد ويرتفع ويتطاول في مغفرة من ضوء غميرة لا يحيط بتجلياتها وحسها وغمراتها. إلا من أسبغ الله عليه بنعمة الوفادة عليه قبل موته بحج أو عمرة. والحج أعظم وأجلى وأعمق وأجمل.. وللمقال بقية.. إن شاء الله تعالى.