آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

إن كنت مشفقة علي دعيني «1 - 5»

سلمان محمد العيد

لعل من القصائد الخالدة التي قيلت في الإمام الحسين ، ولا يتحدث الناس عن شاعرها وناظمها ومبدعها، لكنهم يتحدثون عن القصيدة التي حملت أحد اشهر الأبيات التي قيلت في الامام الحسين وهو «إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خديني»..

هذه القصيدة لمبدعها الشيخ محسن ابو الحب الكبير، أحد أبرز شعراء الحسين، وهو في هذه القصيدة اعطى جملة من الإضافات إلى الصورة الشعرية، والتي اتسمت بالتالي  حسب قراءة كاتب السطور 

أولا: سهولة الألفاظ التي انطوت عليها القصيدة، فقلّما تجد في هذه القصيدة بيتا غير مفهوم، أو ينطوي على عبارات تحتاج الى معجم أو إلى شرح، أو تحتمل أكثر معنى، إلا فيما ندر.. ربما اعتبرت هذه السمة شيئا سلبيا عند البعض، خصوصا من محبّي الغموض تحت مسميات الجزالة والقوة والرصانة، والابتعاد عن السوقية والمباشرة والابتذال وما شابه ذلك، لكنها من ناحية اخرى تحمل في طياتها حالا إيجابية للغاية وتتمثل في أن قوة العبارة ليس في غموضها بل في صدقها، وهذا ما سوف نراه في قراءة القصيدة.

ثانيا: برزت براعة الشاعر، وقوة القصيدة في عدد من المواقع لعل أبرزها استنطاق الميت، فكان الإمام الحسين يصف حاله بعد الموت، ويصف كيف قتل وكيف حرم من الماء وكيف سبيت حريمه.. وكان في البيت المذكور قد خاطب السيوف والرماح وطلب منها أن تأخذه وتسفك دمه من أجل الدين والمبدأ، حتى أنه في أحد الأبيات البس الحب ثوب الوقار، وشبه كربلاء المقدسة بروضة غناء أبطالها مثل ورود النسرين.

ثالثا: ورغم البساطة والوضوح في القصيدة إلا أنه حفلت بجملة من الصور الفنية كالاستعارات والتشبيهات والمجازات وغير ذلك، فضلا عن التسلسل القصصي في بعض المواقع، مع احتفاظ كل بيت شعري بوحدته الفنية.

لنرى ما تقول القصيدة.

 اللوحة الأولى «خطاب النفس»

في بداية القصيدة يناجي الشاعر نفسه، وينهاها عن مواصلة إغرائه بالحب، فهو من الأصل مصاب بالحب، لكن حبه من نوع آخر، فيخاطب نفسه ويدعوها لأن تتركه لهواه ولا تغريه بهوى وعشق آخر، فهو غارق في عشقه الخاص، الذي لن يتركه ولن يتنازل عنه، ويقرر بأن ثمة إغراء يتعرض له ويأخذ صفة اللوم والعتاب والتأنيب الذي يأتي من طرف يشفق عليه ويحبه، وهذا اشد وأصعب طرق وألوان الملام، لكنه يدعو نفسه بأنها إن كانت تحبه لتدعه إلى هواه الخاص.

ويقرّر في هذا الصدد أن الملام والعتاب الذي تعرّض له لو أنه استجاب له فسيكون غير مخلص وغير أمين لحبه وعشقه الخاص، فلو استجاب الى الملام فهو غير صادق وغير أمين لذلك،

ويقرر شاعرنا وبشيء من الغموض «في الفكرة لا في الألفاظ والعبارات»، بأن لديه حبا راسخا، لا احد يستطيع ان يزيله من قلبه، بل "كلما رام العواذل نقضة» لا يستطيعون لذلك سبيلا، أي انهم لم يتمكنوا من تحويل عشقه وهواه باتجاه آخر غير الذي اختاره.

ويمضى في شرح صورة هذا العشق، واضعا المتلقي أمام الصفات، دون التصريح بحقيقة الطرف المعشوق، فهذا الحب من صفاته أنه أخذ سمة العهد الذي لا ينقض، فمن ينقضه غادر، وليس من طبيعة العاشق الغدر.. كما أن هذا الحب ”جنون“ في واقعه، ”وقور“ في ظاهره، ويضع مثلا للحب وهو قيس ليلى، ويرى أنه نموذج للعشق المجنون، لكن حب شاعرنا هنا يختلف كثيرا عن حب قيس، فهذا الشاعر التحق بركب المجانين حينما وعى وكبر واشتد عوده، لكن حب شاعرنا ابتدأ معه قبل أن يفتح عينيه على الحياة، فقد ولد مجنونا بهذا الحب، فهل هناك حب يلد مع صاحبه؟!

ولم يتوقف سيل الوصف الرشيق لهذا الحب ليقرر أن حبه لو اطلعت عليه حمامات الدوح لتوقفت عن غنائها وعشقها، وراحت تنوح عليه وتؤبنه، بل إن هذا الحب بات مصدرا لتعاطف العديد منا الكائنات الحية

إن هذا العشق الخاص كبير، لدرجة يتم تشبيه معالمه بما يجري في الطبيعة، فالأنفاس متلاحقة كالبرق، والدموع غزيرة مثل المطر، ودقات القلب وحنين الأسى مثل الرعود.

ويزيد على ذلك بأن هذا الحب عميق في الشعور، لكنه  وللغرابة  غير موجه صوب النساء، فلا سعاد ولا رباب، ولا غيرهما، وليس صوب العيون السود ولا الشعر الغجري وإنما!

وهكذا يأخذنا الشاعر من خلال 12 بيتا في اللوحة الأولى من صورة إلى أخرى، ومن لفتة إلى لفتة، ومن موقف غامض الى موقف آخر يفتح لنا بارقة أمل كي نتعرف على هذا الحب والعشق الذي هو اشد من حب قيس، ودقات القلب مثل الرعود، والدموع مثل المطر، واللفتات مثل البرق، به جنون ومع ذلك ليس به أي لمحة تجاه امرأة فما هو هذا العشق؟

إنه عشق اهل بيت النبوة والرسالة، الذين الف شجونهم لما سمع بما جرى عليهم في كربلاء.

تلك هي اللوحة الأولى من هذا المشهد الدرامي المتسلسل بصورة منطقية جميلة، لا يشعر المتلقي بصعوبة الألفاظ، لكنه يصاب بالدهشة لعرض المضمون.

تقول اللوحة الأولى:

إن كنت مشفقة علي دعيني ما بال لومك في الهوى يغريني

لا تحسبي أني للومك سامع إني إذا في الحب غير أمين

بيني وبين الحب عهد كلما رام العواذل نقضه تركوني

ألبسته ثوب الوقار تجملا كي لا تري بي حالة المجنون

إن جن خل العامرية يافعا فلقد جننت ولم يحن تكويني

لو أن صادحة الحمام تعقلت ما بي لأبدلت الغنا تأبيني

أو أن ”ضال المنحنى“ مستمطر دمعي لأبقاه بغير غصون

البرق أنفاسي إذا هي صعدت والغيث دمعي والرعود حنيني

قالوا: التجلد، قلت: ما هو مذهبي قالوا: التوجد، قلت: هذا ديني

لا في سعاد ولا رباب وإنما هو في البقايا من بني ياسين

الحب هذا لا كمن تاهت به في الغي سود ذوائب وعيون

لما سمعت بذكر يومهم الذي في كربلاء جرى ألفت شجوني

شاعرنا هنا يشعر بألفه وحنين مع الشجون والتوجد، فالحب قد تمكن منه من ناحية معنوية مثل تمسك العهد بالرجل الملتزم الخلوق، وقد بلغ هذا الحب حد الجنون، بل أن هذا الحب بات مثيرا لكل الخلائق ***