آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

لبني يعرب: إنها التعددية

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

عانت الدول المتقدمة من الحروب الأهلية والصراعات العنصرية سابقا، وكانت بداية الانتصار على واقعهم المرير تتمثل في إيمانهم الحقيقي بالتعددية والاختلاف، ومن هنا انطلقت نهضتهم الحضارية

يقول الدكتور علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البشري»: ”إن المجتمع البشري لا يستطيع أن يعيش بالاتفاق وحده، فلا بد أن يكون فيه شيء من التنازع أيضا لكي يتحرك إلى الأمام. حيث إن المجتمع المتماسك يشبه الإنسان الذي يربط إحدى قدميه إلى الأخرى فلا يقدر على السير. والرباط الاجتماعي مؤلف من التقاليد القديمة، فإذا ضعفت هذه التقاليد، وبدأ التنازع الفكري والاجتماعي، استطاع المجتمع أن يحرك قدميه ويسير بهما في سبيل التطور الذي لا يقف عند حد“. كم هي مبهرة حقا فكرة تقديس الاختلاف، يقول تعالى: ”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم“، تساءلت كثيرا: لماذا يتصارع بنو البشر؟ فأتى الجواب: نتصارع جميعا على نسخ مختلفة يعتقد كل منا بأنها الحقيقة المطلقة التي نسعى دوما إلى الدفاع عنها، وهنا حضرني سؤال آخر: كيف سنعيش جميعنا بكل هذه الحقائق المختلفة؟ فكانت الإجابة الوحيدة: قبول التعددية والتنوع في الحقائق، وهي في نظري المعادلة الحقيقية للوطن والمواطنة التي لا بد أن نتدرب عليها ونكافح من أجلها.

يرى أحد الحكماء أن ”الاصطفاف والتطابق خلف فكرة واحدة هو نوع من الفاشية الفكرية“، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: ”وكان الإنسان أكثر شيء جدلا“، كل ذلك يفرض علينا الإيمان بحق الاختلاف، والثمرة العملية لذلك قبول الآخر كما هو يريد وليس كما تريد أنت، فالموضوعية تتطلب أن نخرج من دوائرنا الضيقة لنشعر بما يشعر به الآخر. فإذا نظرنا للهند مثلا نجدها تعد ثاني أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان الذين يشكلون خلطة رائعة من الأعراق والديانات والمذاهب واللغات واللهجات، فسكانها يتفاهمون فيما بينهم بأكثر من 225 لهجة ويدين سكانها بمئات الديانات مثل الهندوسية، والبوذية والسيخية والإسلام والمسيحية واليهودية والزرادشتية. وعلى الرغم من كل ذلك التنوع والاختلاف، إلا أنها تعتبر اليوم من الدول التي تتمتع باقتصاد قوي وسليم، وربما تعتبر الدولة الوحيدة في العالم التي تنتج وتصنع وتزرع كل ما تحتاجه، ورئيس وزراء الهند يؤكد على ذلك بقوله: ”التنوع الديني هو الذي يجعل هندنا جميلة. إنه تنوع مزروع بخلايانا. وسأنقل الهند لمقدمة العالم“. وكذلك إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة الأميركية، نجد أن الأصول القومية والدينية للناس شتى وكثيرة جدا، ونكاد لا نستطيع حصرها، فأميركا توجد فيها أصول قومية عديدة، وأديان متعددة مثل المسيحية والإسلام والسيخية والهندوسية والوثنية، ومذاهب دينية كثيرة مثل البروتستانت على اختلاف أطيافهم والكاثوليكية.. وغيرها. هذه المجتمعات أدركت هذه القيمة بعدما كانت تعيش في أتون الحروب الأهلية والصراعات العنصرية بكل أشكالها الدينية وغير الدينية، وكانت بداية الانتصار على واقعهم المرير تتمثل في إيمانهم الحقيقي بالتعددية والاختلاف، ومن هنا انطلقت نهضتهم الحضارية.

ولو تأملنا في طبيعة الإساءات التي تصدر في مجتمعنا فيما يتعلق بظاهرة الاختلاف، لوجدنا أن أحد الأطراف يدفعه الاختلاف إلى تبني مواقف عدائية ضد الطرف الآخر المختلف معه. فمن حقنا جميعا أن نختلف مع بعضنا البعض، ولكن ليس من حق أحد أن ينتهك حقوق من يختلف معه.

أخيرا أقول: التعددية والتنوع وتعزيز ثقافة الاختلاف ليست قناعا نرتديه ونخلعه متى أردنا، بل هي إيمان عميق وضرورة ملحة حتى نبقى متحدين في وطن واحد يجمعنا.