آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

إن كنت مشفقة علي دعيني «2 - 5»

سلمان محمد العيد

اللوحة الثانية «حقيقة الحب»:

في هذا المعرض تأتي اللوحة الثانية، التي يتخلى شاعرنا عن القول الحائر، ليوضح الحقيقة، حقيقة الحب الذي وقع فيه، والهوى الذي تمكن منه، فهذا الهوى بعد أن ذكر نقاط الاختلاف الذي يحمله مع كافة أنواع الحب الأخرى، نراه هنا يورد ما يتصف به من نقاط

 به شيء من التعاطف، ضمن حلقات الصراع مع الخير والشر، فهنا الحب بمثابة انحياز للطرف المظلوم،

 ان هذا العشق يلتقى مع انواع العشق الأخرى، من ناحية اللظى والأسى، بيد أنه لظاه يختلف عن لظى العاشقين، بنوعية هذا اللظى وذلك الأسى.

 أن به جانب المأساة لدرجة لا تقارن معه نهشة التنين، بل حتى عذاب الآخرة يقل عن هذا العذاب.

إنها مأساة كربلاء التي تقول عنها هذه اللوحة:

غوثاه من ذكراك وقعة كربلا يا أم كل حزينة وحزين

ليس اللديغ سوى لديغك لا الذي أمسى يكابد نهشة التنين

وعسى اللديغ أصاب حينا راقيا إلا لديغك ما له من حين

حتى القيامة وهي دون عذابه بلظى همومك لا لظى سجين

لاقى الحسين بك المنون لاقيت فيك عن الحسين منوني

فنراه استخدم لفظة ”غوثاه“ ولم يستخدم لفظ استغيث، فمن المعروف ان ”استغيث“ فعل، و”غوثاه“ اسم فعل بمعنى استغيث، وهناك حوار طويل حول هذه المسألة اطلقوا عليه ”الخالفة“، فالتعبير ليس إسما وليس فعلا، وإنما هو اسم يؤدي دور الفعل، وقد استخدم في لغتنا العربية للتعبير عن مكنونات الذات، فهو أدق في التعبير من الفعل، والحال نفسه يجري حينما تقول: ”آه“ فهي أدق في التعبير من التعبير بفعل: ”اتوجع“، فالتعبير ب ”الخالفة“ أو ”اسم الفعل“ يكون أدق، وأكثر إثارة وإلفاتا للمتلقي، فحينما تستخدم هذا اللفظ يتساءل المتلقي بصورة لا إرادية عن سر الاستغاثة، لا بد أن أمرا كبيرا جرى نتيجة هذه الاستغاثة أو أن شيئا غير طبيعي جرى، ليأتي الجواب حاضرا وسريعا لا يطيل كثيرا على المتلقي حيث يقول بأن الاستغاثة هي من ذكرى مأساة عاشوراء، مصيبة كربلا فهي ”ام كل حزينة وحزين“،

بعد الاستغاثة يأتي الجواب متسلسلا، لأن الاستغاثة تقتضي سؤالا مضمرا في العبارة، يطلقه السامع، ويريد جوابا عليه فجاء كالتالي:

 الاستغاثة جاءت بسبب معطيات وما تنطوي عليه كربلاء التي هي أم الحزن، وأم اهل الحزن، من ذكر وأنثى، وهنا إشارة أي إلى ان المصاب لم يشمل الرجال الذكور، بل حتى النساء الإناث.. واللفتة الفنية هنا هي جعل كربلاء أما، وما تعنيه كلمة الأم من معان أبرزها الاحتضان والاحتواء والانتماء والتربية، فالحزن والمحزونون أنجبتهم كربلاء وربتهم وعطفت عليهم ورعتهم.. واللفتة الثانية أن الاستغاثة هنا ليس من الحدث نفسه، بل من ذكرى الحدث، فقد اراد الشاعر يقول بأنه يعيش حالة من الأسى تقتضى الاستغاثة وطلب المغيث لمجرد ذكرى هذا الحدث، ليقول للعالم كيف به لو عاصر الأحداث ورآها بأم عينه؟

 ثم يمضى في وصف هذه الذكرى التي تقتضي الاستغاثة، لأن الاستغاثة تأتي جراء خطر معين داهم المستغيث، ويريد المعونة من الطرف الآخر، ويتمثل ذلك بأن ثمة ”لدغة“ طالته وهو على خطر الفناء والموت بسبب هذه اللدغة.. وهنا أيضا لمحة فنية تحملها هذه اللوحة الرائعة، وهي تشبيه بليغ بأن ذكرى عاشوراء بمثابة لدغة، وصاحبها المصاب باللدغة ”لديغ“ وهو اسم المفعول من فعل لدغ، واللدغ في معناه الحقيقي هي عضة الحية أو الثعبان أو العقرب من طرف خفي بحث نشب الناب في الضحية، فتأتي العبارة  بموجب ذلك  تحت تعبير الطعن والنيل من الخصم بالشر، وتأتي كذلك بمعنى الغدر والطعن.. وشاعرنا هنا يصف ذكرى عاشوراء بمثابة لدغة الدائمة التي لا يمكن أن تقارن بأي لدغة أخرى، بل لا يمكن ان تشبه بنهشة التنين، الذي يطلق على الثعبان العظيم، او الحوت، او التنين الحيوان الذي ورد في الكتب الأدبية الاسطورية التي تتحدث عن حيوان يجمع بين الزواحف «الافاعي»، والطيور الجارحة «النسر والصقر»، والحيوانات المفترسة «الأسد والنمر»، فتجد له مخالب أسد وذنب أفعى وأجنحة نسر، هذا الحيوان إذا طال أي شيء لا يمكن أن يجعله حيا، فلو طاله هذا الحيوان فيستحق أن يستغيث بصوت عال.

بناء على ذلك فمأساة كربلاء وذكراها لا يمكن أن يقارن ب ”نهشة التنين“، في إشارة إلى عظم الجريمة، وإلى تنوعها وتعدد وسائلها، فالتنين قد يأخذ ضحيته بناب الأسد أو بجناح النسر او بسم الأفعى.. وربما كان هناك دواء للدغة الثعبان إلا أن لدغة كربلاء فهي داء مستمر ما دمنا على هذا الأرض، في هذه الدنيا الفانية، التي لا تعطي قيمة لشخص مثل الحسين بن علي عليهما السلام.. وربما أراد الشاعر القول بأن الجريمة في كربلاء جاءت متنوعة، بها القتل والحرق والنهب والغدر... الخ

ويمضي الشاعر في وصف المعاناة التي دفعته لأن يستغيث ليقول بأن المعاناة من كربلاء لا يمكن مقارنتها بأي معاناة أخرى حتى معاناة يوم القيامة، وهنا نتوقف عند نقطة هامة هنا، إذ قد يتصور القارئ لأول وهلة بأن الشاعر يستهين أو يستخف أو يستصغر مصيبة القيامة، وأهوالها، لكن الأمر ليس هكذا، وإنما قد يكون أراد الإشارة الى أن معاناة القيامة لما تأت بعد، بالتالي فلم نصل إلى تلك المعاناة، لكننا بمعاناتنا في كربلاء قد حدثت وما زلنا نعاني منها، والمعاناة في القيامة  كما أظن من وجهة نظر الشاعر  تهون وتهون وقد تنتهي لأننا في حضرة المولى الكريم الرحيم العطوف، الذي سبقت رحمته غضبه، فلا تقارن عقوبة من يغلب عفوه على غضبه ورحمته على سخطته بمعاناة من غلبت عليه اهواؤه وهم أهل الدنيا، الذي سفكوا دم الحسين وسبوا عياله وفعلوا ما فعلوا بجسده.. خاصة إذا علمنا بأن الشاعر ليس طارئا على الحياة الدينية فهو رجل متشرع من الأصل.. كما أنه أراد الإشارة الى المعاناة المادية التي تطال المرء يوم القيامة، بينما هنا المعاناة معنوية قد جاءت من ”لظى الهموم“ لا من ”لظى السجين“، فهنا الفرق بين الأسى القادم من الهموم، والأسى القادم من الضرب والتعذيب.

وكل هذه المعاناة تمت في صورة خطاب موجه لذكرى كربلاء، وهذه صورة فنية أخرى، حيث جعل الشاعر الذكرى شخصا يملك جملة من المواصفات، فيخاطبه، ويتحدث عن جوره، فالذكرى هنا صارت «أما، وثعبانا»، لاقي الحسين بها منونه، والشاعر لاقى منونه عن الحسين «لاقى الحسين بك المنون، لاقيت فيك عن الحسين منوني".