آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

إن كنت مشفقة علي دعيني «3 - 5»

سلمان محمد العيد

اللوحة الثالثة «تضحيات الحسين»:

في هذه اللوحة يقرر الشاعر بأن الحسين لم يقدم على ما أقدم عليه إلا من أجل الإسلام فقد ضحى بكل ما ملكت يداه، من مال وولد وروح وجسد.. ما يؤكد مبدئية الثورة الحسينية، وبعدها عن المصالح الشخصية، فالحسين ثار لأجل الدين، وقدم كل التضحيات من أجل المبدأ والعدالة والحرية، ومن أجل ذلك تحمّل كل شيء.

تقول هذه اللوحة، في مشهدها الأول:

 يا بيضة الإسلام انت حريّة بعد الحسين بصفقة المغبون

وفي هذا البيت ثلاثة أسئلة:

 لماذا قال ”بيضة الإسلام“؟

 لماذا عبر بكلمة ”حريّة“؟

 لماذا قال ”صفقة المغبون“؟

 فمن الناحية اللغوية فإن ب ”بيضة الشيء“ أصله، و”بيضة الاسلام“ هو كيان الإسلام، و”بيضة البلد“ عبارة تطلق على الشخص الذي يعرف بالسيادة، والزعامة، فقد ورد أن أخت عمرو بن ود حينما رأت جسد أخيها، وعرفت أن قاتله هو علي بن أبي طالب ، قالت: ”لو كان قاتل عمرو غير قاتله، لصرت أبكي عليه سالف الأبد، لكن قاتله من كان والده ببطن مكة يدعى بيضة البلد“، وتعني بذلك ابو طالب، الذي كان زعيما في قومه، ويقصد بكلمة ”حريّة“، الجدارة والأولوية.

وأما صفقة المغبون، يعنى بها صفقة المغرر به، في اشارة الى خيار الغبن، وهو أحد الخيارات التي تتيح للمكلف بأن يفسخ عقده إذا تبين له أنه مغبون في صفقته، بمعنى أنه اشترى سلعة بسعر أعلى من قيمتها الحقيقية.. فالشاعر يقرّر بصيغة مباشرة وصريحة، بأن الخاسر الأهم بفقدان الحسين أو موته، هو بيضة الاسلام وأساسه وأصوله، ما يؤكد بأن الحسين يمثل هذا الاساس وهذه الحقيقة، بمعنى أن للإسلام أسسا وصورا، فقد يظهر بصور لا تعبر عن الأساس وعن الحقيقة، وقد يأتي بصورة أخرى مغايرة، فالحسين لم يكن يعني بثورته إصلاح القشور والأسماء وإنما توجه نحو الجذور والأسس، أي ان هذه الجذور بدون الحسين في موقع الخسارة لذلك فهو ممثل لتلك الجذور، وقتله خسارة للجذور، التي تتقوم ببقاء الحسين، أي أن الحسين لم يكن ثائرا لشيء غير اساسي في الدين، أو هامشي في الاسلام كالوضوء والغسل والصلاة والصوم فقط، وإنما ثار من أجل بيضة الإسلام، أي المعنى الحقيقي لكل هذه الطقوس، وهي عبادة الله وإخلاص الدين له.

وحينما قرر الشاعر أن بيضة الإسلام خاسرة، لم يقلها بصورة مباشرة وإنما بصيغة الكناية وهي ”صفقة المغبون“، التي بها شيء من الغرر، فالغبن  كما هو معلوم  هو خلاف العدل، بمعنى أن الأمة بعد الحسين تسير في ركب الظلم والخسارة، والصفقة التي هي عملية تبادل بين طرفين، ويفترض فيها العدل، وفي حال حدث الغبن يتاح الخيار للطرف المغبون بإلغاء الصفقة، بالتالي فإن الحسين يقف مقابل الظلم الذي هو خلاف العدل، وهذا يعني أن أساس الاسلام الذي يمثله الحسين، وان الاسلام الذي يحمله الحسين، سوف يكون نهبة للظلم، والغش «والغبن نوع من أنواع الغش».

بناء على ذلك يمكن القول بأن الشاعر أراد إيصال المعنى، مستفيدا من ثقافته اللغوية فقال: ”بيضة الإسلام، وحريّة“، ومن موقعه كرجل دين على اطلاع تام بالمسائل الفقهية فأورد عبارة ”صفقة المغبون“، التي تتيح لصاحبها الخيار في الفسخ، وذلك بحث مطوّل في قسم الخيارات في باب المعاملات،.

وهناك لفتة أخيرة يمكن أن نصل لها بعد عملية قلب الصورة، أو الحديث ب ”مفهوم المقابلة“، فما دامت بيضة الاسلام خاسرة بعد الحسين، فإنها سوف تكون محفوظة ورابحة وقائمة بوجود الحسين.. وربما أثارت هذه النقطة جدلا ثقافيا وتاريخيا واسعا، يؤكد بأن الحسين بعد أن قطع جسده ورفع رأسه وسبيت اسرته ونهب ماله، بقي نهجا ومبدأ فبقيت اصول الاسلام وبيضته.. ولكن في حال ذهب الحسين «جسدا ونهجا» فإن بيضة الاسلام جديرة بصفقة المغبون

أما المشهد الثاني فتقول اللوحة:

أعطى الذي ملكت يداه إلهه حتى الجنين فداه كل جنين

في يوم ألقى للمهالك نفسه كيما تكون وقاية للدين

فالحسين من أجل الدين، ومن أجل الله، ومن اجل المباديء التي يمثلها الإسلام قدّم كل شيء، ”حتى الجنين فداه كل جنين“، وهنا إشارة إلى الحدث التاريخي، حيث قتل بنو امية بعض الأطفال وأبرزهم ”عبد الله بن الحسين“، الذي قتل على صدر أبيه، كما أن إحدى نساء الحسين وضعت له رضيعا يوم عاشوراء، وقد شاء أن يلثمه فسبقه سهم من سهام الأعداء نقله الى العالم الآخر.. وقد توج كل ذلك بأن قدم نفسه للمهالك كيما تكون وقاية للدين.

وفي هذا الأمر نكتة دقيقة يوردها الشاعر ففي البيت الأول قال: ”إلهه“ وفي البيت الثاني قال: ”الدين“، ليدلل على أن الحسين دافع عن الدين، وأهلك نفسه، ولكن ذلك بإخلاص لله، إذ قد يحدث أن شخصا يقاتل وقد يدافع عن الدين ولكن ليس لله جل شأنه، وهناك قصص تاريخية تؤكد أن أشخاصا دافعوا عن الدين وقتلوا ولكن هدفهم ليس رضا الله، وإنما الحصول على الغنائم، حتى أن البعض ممن قتل في معركة بدر الخالجة قد وصفه الرسول ﷺ ب ”شهيد الحمار“، فهو قد قاتل وقتل من أجل الحصول على الحمار، بينما الحسين ”اعطي الذي ملكت يداه الهه“، وقدم كل شيء وقاية ل ”الدين“.

أما المشهد الثالث فيقول الشاعر على لسان الحسين:

وبيوم قال لنفسه من بعدما أدى بها حق المعالي بيني

أعطيت ربي موثقا لا ينقضي إلا بقتلي فاصعدي وذريني

إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني

هذا دمي فلترو صادية الظبا منه وهذا للرماح وتيني

خذها إليك هدية ترضى بها يا رب انت وليها من دوني

أنفقت نفسي في رضاك ولا أرا ني فاعلا شيئا وأنت معيني

ما كان قربان الخليل نظير ما قربته كلا ولا ذا النون

هذي رجالي في رضاك ذبائح ما بين منحور وبين طعين

رأسي وأرؤس أسرتي مع نسوتي تهدى لرجس في الضلال مبين

في هذه الأبيات التي تمثل المشهد الثالث يعرض الشاعر تضحيات الحسين في كربلاء، ولكن هذا العرض تم بصورة إجمالية، دون تفاصيل، ثم ينتقل الى التفصيل فيما بعد، وتم العرض على لسان الحسين نفسه، وهنا الصورة الفنية الرائعة في هذا المقطع، وفي هذا المشهد يؤكد الشاعر «على لسان الحسين» على أن هذه التضحيات لم تأت الا لله ومن اجل الدين

 ففي البداية يؤكد الشاعر على أن الحسين، وبعد ارتقائه سلم المعالي، وارتفاع مقامه المعنوي، قال لنفسه: ”بيني“ أي أرحلي، فأنا مقيد بميثاق مع الله، هذا الميثاق لا يتم إلا بقتلي وصعود روحي، فاتركيني يانفس.. فهنا خطاب من الحسين مع نفسه، دعاها لأن تصعد إلى بارئها.. فالموقف الذي بلغه الحسين ليس بمقدور أحد أن يأخذه، لأن من يحمل المعالي هو الذي يتحرر من نفسه، ويقدمها طعمة للسيوف والرماح.

 والخطاب الثاني توجه فيه الإمام  بلسان الحال  الى السيوف والخناجر والرماح بأن تأخذه مادام ذلك لصالح الدين، واستقامته، فإذا توقف بقاء الدين على قتلي فأنا على اتم الاستعداد.. واللمحة الفنية هنا تظهر بأن الامام يخاطب وسائل القتل تارة بالطريقة المباشرة، وبالأمر المباشر «يا سيوف خذيني»، وتارة بطريقة غير مباشرة فلم يقل للظبا «حد الخناجر» والرماح بأن اقتليني وخذيني كما دعاها في البيت السابق، لكنه هنا يقول لها بصيغة لام الأمر «فلترو»، وأن دمه متاح لحد السيوف والخناجر، وأن وتينه متاح للرماح، ولكن النتيجة واحدة.. هنا تنوع في وسائل العرض والتصوير، بالأمر وبالمضارع.. وما أروع التصوير الفني بأن الحسين الشهيد الحي يخاطب السيوف والرماح بأن تقطع جسده، لا استسلاما ولا قبولا بواقع فاسد، وإنما هي إرادة الله.. وهنا نقطة أخرى يجمع الحسين فيها بين السلوك والعقيدة، فهو ينطلق من تلك العقيدة، ما أعذب وأجمل هذه الصورة حين يتخاطب البطل الضحية «الحسين» مع وسائل القتل وبكل شجاعة يرحب بها.

 اما الخطاب الثالث فهو للمولى جل شأنه، ويقول لله بأنه أعطى كل شيء قدمه ”هدية“ الهدف منها رضا الله، فهو الولي والمعين، لكنه في الوقت نفسه يقول بأن هذه الهدايا والتضحيات لا تقاس ما قدمه النبي ابراهيم «الخليل» الذي طلب منه المولى قتل ابنه، فاستبدله بذبح عظيم، ولا ذا النون «يونس» الذي ابتلعه الحوت، ثم استجاب دعاءه فأنقذه من البقاء في بطن الحوت، فهل تقارن هذه التضحيات بما قدمه الحسين في سبيل هذا الدين، فقد قدم نفسه، ثم رجاله، وبعدها أخذ رأسه ورأس اصحابه ونسوته هدية الى يزيد، كما أن الخليل لم يقتل فلذة كبده، وذا النون لم يلبث في بطن الحوت، بل عاد كل منهما على حياته الطبيعية، بينما الحسين قتل ومزق جسده، وسبيت عياله، وقبل ذلك وجد فلذات أكباده ضحايا مجزرين على تلعات كربلاء، فهل هناك وجه للمقارنة؟

 ويواصل الشاعر عرض حوادث كربلاء، لكنه يزداد تألقا في وصف التفاصيل، التي جاء بها على لسان الحسين ، لكنه هنا يصف المستقبل بصيغة الثبات والتقرير والمضي، أي أن الحسين  وهو شهيد  يعرض ما جرى عليه الى ربه جل شأنه.. فالشاعر بات يتحدث عن الآخرة، ويدخل في حوار بين الأمام وبين المولى جل شأنه، ويسرد تفاصل الجريمة، ليقول:

وإليك أشكو خالقي من عصبة جهلوا مقامي بعدما عرفوني

جعلوا عظامي موطئا لخيولهم يا رب ما ذنب به أخذوني

ماء الفرات محلل لكلابهم وأنا الذي من ورده منعوني

ميراث جدي خالص لي دونهم ما بالهم عن إرثه طردوني

أوصى نبيك قومه في آله وأنا ابنه حقا وما حفظوني

في هذا المقطع تجد أن الحسين يؤكد تضحياته في سبيل الدين، لكنه  في الوقت نفسه  يشكو الى الله الجريمة التي وقعت بحقه، والتي تمثّلت في تجاهل القوم لموقعه وقيمته الدينية والاجتماعية والتي يمكن تفصيلها في بعض النقاط:

1. الجريمة تمت عن وعي ومعرفة بموقع ومقامه، فلم تتم عن جهل القاصرين، وإنما عن جهل المقصرين، أي أنهم قتلوا الحسين وهم يعرفونه حق المعرفة.

2. الجريمة التي ارتكبت بحقه كانت تتسم بالشناعة والفضاعة، لدرجة أن ارخص شيء في هذه الحياة منعت عن الحسين وهو الماء، الذي يباح إلى كل أحد حتى الكلاب والخنازير.

3. وأن المجرمين لم يكتفوا بقتل الحسين بدون ذنب، وإنما بالغوا في جرمهم، بأن جعلوا جسد الحسين تحت الخيول، أي أنهم قتلوه ورضوا جسده، وهذا افضع انواع الجرائم الانسانية التي تتوجه صوب الجسد بعد الذبح.

4. ارتكبوا الجريمة، وهم يعلمون ان الحسين هو ابن نبيهم ورسول الله فيهم، وهذا يعطي صورة أخرى على أن هؤلاء متمردون ضد رموزهم الذين بهم يفخرون أمام الأمم.