آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 11:53 م

إن كنت مشفقة علي دعيني «4 - 5»

سلمان محمد العيد

اللوحة الرابعة «المناجاة»:

في هذه اللوحة يواصل الشاعر عرض مناجاة الحسين لله جل شأنه، فبعد أن عرض ظلامته بشكل مجمل، وقام بعرضها بالتفصيل، ليخلص إلى القول بأنه قد أدى ما عليه من أمانة تجاه الدين والأمة، ولم يبق له من الدنيا إلا ابنه العليل الذي كلفه بمواصلة المسيرة وأداء المسؤولية.. وإنه وبعد كل ذلك ينتظر من الله جل شأنه  وحسب الشاعر  الرضا أولا، والأخذ بالثأر من الظالمين ثانيا.. فالله القوي الجبار الذي لا تضيع لدي الحقوق ولا الودائع.. هنا يقول الشاعر على لسان الحسين:

هذا وقد كنت الرقيب عليهم يؤذيك ما من فعلهم يؤذيني

أي أنك يا إله الكون شهدت ما فعلوا، ولم يكن فعلهم بالغريب عليك، وليس بخاف على عظمتك يا مولاي.. وهنا يتجسد في هذا البيت تسليم الحسين لله، والثقة برحمته، فالله جل شأنه رحيم رؤوف لا يقبل بأن يظلم أحد من عباده، فما بالك بمن كان من أخلص العابدين له جل شأنه، وهو الحسين ، وتظهر من هذا البيت حقيقة القدرة الإلهية، والغضب والرحمة الربانية، فمن ناحية القدرة فالله جل شأنه يرى كافة أفعال العباد الحسنة والسيئة، فيعذب من يشاء ويعفو عمن يشاء، لذلك فهو الرقيب على كل ما جرى في كربلاء، وأما الرحمة والغضب فقد بلغت أنه جل شأنه يتأثر بما يجري من ظلم على عباده، ويتأذى من هذا الظلم، ولا مناص من أن يحكم عدله في كل من ظلم.. ولذا يقول الحسين  بلسان الحال :

خذ لي بثأري وانتقم لي منهم أنا عبدك القن الذي ظلموني

وهذا الثأر والانتقام بحق من قاموا بالظلم تجاه واحد من عبيدك المقربين لك، والمسلّمين لإرادتك.. وعبر الشاعر بكلمة ”القِنُّ“ وهو العَبْدُ الذى كان أَبوه مملوكًا لمواليه، في إشارة الى ان الحسين ووالديه مملوكين لله جل شأنه، ومن يكن كذلك فلا يظلم بحضرة مولاه.. وهنا شرف القرب من الله والتذلل له، إذ يقول أن عبدك وبن عبدك وبن امتك، ظلمت من عصابة من أمتك، فخذ بثاري وانتقم لي منهم.

ثم ينتقل الى عرض ما تبقى من مناجاة لله جل شأنه ليقول:

لم يبق لي شيء أعد نفيسه لرضاك إلا وارثي واميني

هذا عليلي لا يطيق تحركا لو يستطيع بنفسه يفديني

أبقيته ليكون بعدي موضحا للناس غامض سرك المكنون

هذي أمانة أحمد أديتها فاشهد علي بها وأنت أميني

فالحسين بهذا الأبيات  وبدون منة على المولى  يقول لله أن الأمانة قد أداها، والشاهد على كل ذلك هو السميع البصير، ولم يبق له شيء يقدمه ليحقق رضا الله سوى وارثه في المسؤولية وهو الامام زين العابدين، الذي لولا العلة التي اصابته لكان ضمن الشهداء الضحايا في سبيل الله، ولكن شاءت القدرة بأن يبقى ليكون بالمسؤولية بطريق آخر، ووسيلة اخرى.

وبناء على كل ذلك، نخلص بمجموعة نتائج هامة في هذا اللوحة الرائعة:

1. إن ما قام به بنو أميه هو فعل بعيد عن الدين الاسلامي، والشرع الإلهي، بل أنه مثار غضب الله، فلا معنى لشعاراتهم ورفعهم اسم الله بعد عملية القتل.

2.  إن الإنسان المظلوم، مهما تبلغ ظلامته فلا يشكو الثأر والانتقام إلا من الله جل شأنه، فهو القادر على كل شيء.

3. إن مناجاة الله، وطلب ثوابه، وطلب الانتقام من الظالمين هو زاد حاملي الرسالة السماوية

4. الثورة الحسينية تحملها الحسين أولا، وواصل مسيرتها وشرح بعض مبادئها الأمام السجاد، لأنها رسالة إلهية مستمرة غير مرتبطة بشخص واحد، بل يتبناه بطل عظيم مثل الحسين وتنتهي المهمة، ليأتي عظيم آخر ليواصل المسيرة.