آخر تحديث: 29 / 1 / 2020م - 8:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«انتزاع الغل» أهم مقومات الإصلاح الاجتماعي

أحمد العلي النمر

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ

الغل

مرض اجتماعي خطير من معانيه الحقد والبغضاء والحسد والكراهية، ويُصاب به الفرد والجماعة، وينتشر بشكل وبائي - إن صح التعبير - في المجتمعات الإنسانية، وقد فتك بالعديد من أصحاب العمائم وخلخل الكثير من بيوتات الأنبياء.

وهو داء يتسلط على الجانب الغريزي في الإنسان، ولا يزال جبين الإنسانية في حاضرها وماضيها يندى بجرائم لا حصر لها، كان «الغل» ولا يزال هو المحرك الرئيس لارتكابها.

إن العبارات المثالية التي كثيرا ما نتشدق بها مثل الوحدة والإصلاح ولحمة المجتمع وما شابهها من مصطلحات ليس لها أي قيمة طالما «الغل» متغلغل في الصدور، ولو تتبعنا أسباب فشل الكثير من المبادرات الإصلاحية من قبيل «الزيارات الودية» والتجمعات الإصلاحية وندوات التواصل الاجتماعي لوجدنا أن الغل ومتعلقاته ورواسبه على رأس قائمة تلك الأسباب.

﴿نزعنا

النزع من معانيه الجذب والخلع والسحب وكلها ألفاظ ترتبط بالقوة والشدة والمنازعة، ولا بد للتخلص من الغل إلى «جهاد» مع الغرائز والشهوات، وهذا الجهاد هو عين الجهاد الأكبر الذي قال عنه رسول الله ص بعد عودته من إحدى الغزوات «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» وهو جهاد مع العصبية والأنانيات وحب التسلط والظلم، وجهاد نبذ التهميش والاحتكار والتعتيم على من نختلف معه، وجهاد الإقرار بسلب حقوق الآخرين وانتهاك حرماتهم سواء كانت مادية أو معنوية وإرجاع هذه الحقوق لأصحابها، وجهاد دحر الكبرياء وترويض النفس على فضيلة الاعتذار للآخرين عندما تخطيء بحقهم أو نسيء إليهم، وجهاد يقر فيه «الرمز الديني» والسياسي والوجيه وكل من انيطت به مسؤولية اجتماعية أن الزمن يتغير، وان لكل زمان دولة ورجال، وانه من الممكن أن يأتي من هو أصلح ليستلم زمام الأمور بدلا منهم، وان عليهم إن يحاربوا الغل الذي ينازعهم عن تقبل هذا الواقع بصدر رحب.

﴿إخوانا على سرر متقابلين

ومتى ما نجح الإنسان في انتزاع الغل فإنه سيصل إلى مرحلة «المجتمع الفاضل» الذي تتهاوى فيه كل العوائق نحو تكامل الأخوة الحقيقية في المجتمع، تلك الأخوة التي عبرت عنها الآية ب «إخوانا على سرر متقابلين» ورغم أن الآية تتحدث عن حال أهل الجنة لكن هذا لا يمنع أن يصل أهل الدنيا أيضا إلى ما يشبه هذا المستوى بالإخلاص في النية والصدق في العمل مستلهمين قوله تعالى ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا.