آخر تحديث: 25 / 1 / 2020م - 1:10 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«ينسى الساطر ولا ينسى المسطور»

أحمد العلي النمر

العنوان لمثل شعبي يحكي الواقع بصدق، الساطر مأخوذ من «السطار» ويعني الصفع على الوجه بالكف، والسطار بقدر ما يكون مؤلما جسدياً إلا أن أثره المعنوي «المُهين» أكثر إيلاما على المسطور ويتضاعف هذا الألم «المعنوي» إذا كان أمام الآخرين، ويتضاعف أكثر وأكثر إذا كان المسطور مظلوما لا يستحق هذه العقوبة. والساطر في العادة هو من يمتلك القوة المادية أو المعنوية مقابل المسطور الذي يمثل الجانب الضعيف المغلوب على أمره.

وهذا المثل الشعبي المُعبر لا يُقصد به الصفع على الوجه بمعناه الظاهر فقط، إنما يشير إلى أي عمل مُهين يُمارس بحق فرد أو جهة سواء بالقول أو الفعل أو الإقرار... فقد يأتي «السطار» بشكله المتعارف عليه، وقد يأتي ببصقة في الوجه، وقد يأتي معنويا من خلال طعن في عرض، أو لمز في نسب، أو اتهام في أمانة، وقد يأتي من جهة تتخذ من مركزها الديني أو السياسي أو الاجتماعي سلاحا ُتسقط به القيمة الاعتبارية لجهة أخرى تخشى منافستها.

بقي عنصر ثالث وهام بين الساطر والمسطور أغفله هذا المثل الشعبي، وهو الجمهور المتفرج على عملية «السطر»... هذا الجمهور في سواده الأعظم يقف على الحياد وهذا أمر مقبول وليس فيه ملامة، ويأتي موافقا لقول المتنبي «لا تحرق النار إلا رجل واطيها»،

إلا أن هناك تيار صغير من ذلك الجمهور العريض الذي شاهد عملية «السطر» يتخذ - بدافع المصلحة أو العصبية أو هوى النفس - موقع الدفاع عن «الساطر» حتى أصبح أكثر ظلما وعدوانية من الساطر نفسه، هذه المواقف تذكرنا بأيام الطاغية صدام حسين وكيف كان أولئك المتملقون يحيطون به، ويزينون له سوء عمله، ويُفدُونَه بالروح والدم.

يحتاج «المسطور» أحيانا إلى أن يبث شكايته أو يُعبر عن مظلوميته أو يتألم من مُصابه بالوسائل السلمية المتاحة، ولكن هذه المشاعر تثير حنق أعوان «الساطر» فيهرعون إلى قمعه وإسكاته بكل أدوات الدفاع المشروعة وغير المشروعة، النظيفة وغير النظيفة، وتتم المتاجرة بالقيم والمبادئ فيتحول المسطور المظلوم إلى ظالم مُثير للفتنة تُستباح حرمته وتُنتهك حقوقه وتُستحل غيبته.

إننا نشاهد يوميًا الجرائم والفظائع التي تحدث في العالم حولنا عبر القنوات الإعلامية، ونشاهد معها نماذج عديدة لأعوان «الساطر» الذين يقلبون الحقائق فيتحول المعتدي إلى معتدىً عليه، والبريء إلى مجرم، أما الجثث والدماء والدمار التي تظهر في وسائل الإعلام فليست - حسب ترويجاتهم - سوى فبركات إعلامية، ولا يتورعون - إذا أعيتهم الحيلة - عن اتهام الضحايا بأنهم الذين عرضوا أنفسهم للقتل؟!

ومجتمعنا الصغير ليس بدعا من المجتمعات الأخرى، فهو لا يخلو من «ماكينة» إعلامية تُعين «الساطر»، وتقف معه، وتُدافع عنه، وتُلفق التهم الباطلة والكتابات المسيئة لنصرته، ولكن ثمة فارق جوهري بين أعوان «الساطر» في القنوات الفضائية وأعوانه عندنا، هناك الإعانة على الظلم بمقابل مادي، أما عندنا فمجاناً لوجه الله.

قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاًسورة الفرقان