آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 8:08 م

الناقد الدكتور عبد الله الغذامي

من السمنة إلى محاربة السنة.. كيف..!

أحمد علي الشمر *

يعد الدكتور عبدالله الغذامي بلا منازع أحد أضلاع وأركان الثقافة التنويرية في هذه البلاد، وهو كذلك محسوب على قوائم الليبراليين القلائل في بلادنا، رغم أنه ينفي عن نفسه هذه الصفة، ويعتبره البعض من الشخصيات المثيرة للجدل بسبب طروحاته الفكرية الحداثية، التي أثارت الكثير من اللغط والنقد والجدل الحاد من قبل بعض خصومه، الذين يرون في فكر وتوجهات الدكتور الغذامي، تجاوزا وخروجا عن طبيعة المألوف، بالنسبة للفكر والثقافة السائدة بنمطها وأسلوبها التقليدي المعروف، وهذا بطبيعة الحال، جاء نتيجة للرؤية الفكرية المتميزة، التي غلفت أدبيات الدكتور الغذامي في خطه الفكري والنقدي ومجمل طروحاته وأعماله الفكرية والنقدية والأدبية التي يلتزم بها، والتي لاشك تعتبر من بين أهم وأبرز الأعمال الفكرية التي تضاهي الكثير من أعمال النخبة الأدبية في الوطن العربي.

ومن هنا جاء تفرد الدكتور الغذامي بهذه المكانة الرفيعة فى نهجه العلمي والأدبي والفكري، كأكاديمي متمكن أولا وكمفكر بما حققه وأنجزه خلال تاريخ مسيرته الفكرية الحافلة ثانيا، والتي أوجدت له هذه المكانة المتميزة، ليس فقط بين المثقفين والمفكر بن في داخل بلاده فحسب، وإنما على مستوى المثقفين والمفكرين العرب في أنحاء كثيرة من وطننا العربي.

أقول هذا الكلام إحقاقا للحق فيما أنجزه الدكتور الغذامي دون مجاملة ولا مغالاة، فهكذا عرفنا الدكتور الغذامي مفكرا وناقدا وروائيا كبيرا في توجهه وطرحه الفريد، وأيضا تعاليه على الكثير من الصدامات الجدلية النقدية الحادة، التي مسته، بسبب نمط خطه الفريد؛ الذى يتناول به موضوعاته الفكرية والنقدية.

غيراننا في هذا المقال الذى نشره بالجزيرة يوم السبت الماضي، تحت عنوان «محاربة السنة» وجدناه شخصية أخرى مختلفة لا تنتمي بصلة لشخصية الدكتور الغذامي، الذى عرفناه من قبل..!

في هذا المقال الذى بدأه متوازنا وهو يحاول معالجة تصحيح شكوكه عن الخبر الذى نقله حول محاربة السمنة، قبل أن ينتقل فجأة من محاربة السمنة إلى محاربة السنة، ومن ثم لينتقل بردة الفعل هذه بعد ذلك وبمقياس «180» درجة الى السياسة والقضايا الطائفية، خصوصا باعترافه وتأكيده، على أنه يعيش أزمة ضمير، حتى صار كل شيء لديه طائفيا..!!

وبالتالي توصله الى نتيجة هذه الحالة بحسب كلامه التي عمت الأمة، والتي أصبحت تتحكم فيها الطائفية، وبما في ذلك علاقاتنا العامة كما يقول أصبحت أيضا تخضع تحت سلطة المعنى الطائفي، فلم نعد بشرا بمقدار مانحن طوائف..!!

واقعا هذه التداعيات الطارئة في أفكار الغذامي في استدلالاته السياسة التي أسقطها على بعض صور المشهد السياسي العام الذى تعيشه الأمة، كشف جوانب من الأزمة النفسية التي يعيشها مفكرنا الغذامي، والتي خلط فيها فيما يبدو وللأسف وتحت طائلة هذا التأثير لبعض قراءاته للمشهد السياسي، والذى انتقل فيه من الرؤية النقدية الصرفة إلى الرؤية الطائفية المقيتة، فانتقل من رؤاه العامة تجاه تلك المواقف والقضايا، إلى مواقف وقضايا أخرى لا علاقة لها بواقعه الذى يعيشه، وأدت به إلى هذا الخلط بين رؤاه الإنسانية وحتى علاقاته الشخصية، ومنها على وجه التحديد علاقاته التي تربطه، خاصة ببعض مكونات وشرائح مجتمعه من ذوي التوجهات المذهبية الشيعية، وتلك هي الطامة الكبرى في تداعي هذا التحول المفاجئ والصادم في رؤيته التي أجملها في هذا المقال..!

وبالطبع أنا هنا غير معني، ولا يهمني في هذا التعقيب على فحوى إشاراته السياسية، بقدر ما يعنيني ويهمني رؤيته الإنسانية، التي طالت للأسف بحسب قوله علاقاته مع بعض زملائه وأصدقائه وحتى طلبته من المكون الآخر، الذين هم من جل أصدقائه الذين أصبحوا اليوم يتحاشون الحديث معه أو حتى ذكر اسمه، كما يقول وإلى حد أنه أصبح بينه وبينهم حاجز مرعب، هذا قطعا، بعد أن صاروكما ذكر تحول خبر السمنة عنده إلى خبر كارثي..!!

ولا شك أن هذا يأتي كما نستشف ونستنتج من سياق روايته، ما يعيشه من أزمه نفسية، خصوصا بعد التراكمات المتتابعة لصور المشهد المتوتر لأحداث المنطقة، وهوما أدى به إلى دخوله في نوبة تلك الشكوك والظنون التي ترجمت مغزى هذا التحول..!

وهي كما يقول ذات الشكوك والظنون نفسها التي كانت السبب في تغيير الخارطة الذهنية لكل شيء فينا، وهو بالطبع يقصد هو نفسه..!

وهذا لاشك اعتراف خطير في تراجعه عن خطه ورؤيته التنويرية الملتزمة التي عرف وتميز بها، وهو اعتراف وتراجع كنا وتمنينا من أن لا يصدر من مفكر بحجم الغذامي كأكاديمي بارز أولا وكمفكر تنويري متميز له مكانته وإسهاماته العلمية والفكرية البارزة داخليا وخارجيا ثانيا.

وهذا في واقع الأمر كان السبب الحقيقي الذى أذهلني ولفت نظري ودفعني للمداخلة في هذا التعقيب على هذا المقال، وهو ربما قد أذهل الجميع أيضا، بما ذكره تحديدا حول أسباب تحوله وشكوكه وظنونه، ومنها مما طالت أصدقائه الشيعة الذين تبذل موقفه منهم أو موقفهم منه كما قال..!

لكن الشيء الذى لم نستوعبه ولم يوضحه ولم ويعلمنا به، هو لماذا تغيرت مواقفهم منه وماهي مبرراتهم والأسباب والدواعي الحقيقية إن كانت فعلا حدثت، هذا إن لم تدخل في دائرة ذات الشكوك والظنون التي انتابته فعلا بسبب خلطه في فحوى قراءاته لدوامة الأحداث التي تشهدها الساحة، وما دونه بالتالي مخزون ذاكرته من قراءة عكس سلبياتها على الوضع العام، ومن ثم قام بإسقاط حصيلة تلك القراءة بهذا الموقف الغريب من أصدقائه..!

وهذا أيضا رغم أن تلك الأحداث قد وقعت خارج الوطن، ولا علاقة للمواطن في الداخل بمختلف مكوناته بها من بعيد أو قريب، وإذن فتلك مسوغات غير منطقية وغير مبررة ولا تسوغ بأي حال من الأحوال، الشكوك والظنون في إعراض بعض من شرائح ومكونات وطنه باتخاذهم موقفا معاديا منه.

وبالخصوص بأن شخصية الدكتور الغذامي شخصية معروفة للجميع وله توجهاته العلمية الفكرية الصرفة، كما أن سجله الفكري العام، سجل ناصع والحمد لله، ولم تسجل له أي مواقف مناوئة ولا أية تجاذبات في الشأن الطائفي.

فما الذى غيريا ترى مواقف أصدقائه الشيعة منه، وجعلهم يعرضون عنه اليوم، فهل فقط لأنه سني كما حاول أن يقنعنا من خلال إشاراته، وهل كانوا بالأمس يجهلون توجهه المذهبي ولم يعرفونه غير اليوم..؟!

أجزم بأن الدكتور الغذامي قد قفز على الحقيقة وظلم أصدقائه بهذه الشكوك والظنون، التي قادته لهذا الاستنتاج غير الواقعي، فما أعرفه وأنا من ذوي التوجه المذهبي الشيعي ان مجتمعنا الشيعي في عمومه بهذه البلاد، ليس من شيمه الحقد على إخوانه من مختلف المكونات ولا يضمر لهم إلا الحب والوفاء، فما بالك من أن يكون هذا المكون هومن أمثال الدكتور الغذامي، المعروف لديهم بطبيعته وعلاقاته الطيبة مع الجميع، فضلا عن تخصصه المعروف في الدراسات البحثية التى تتناول شئون الأدب والثقافة والفكر، وهو مما يعمق ويوطد علاقة الجميع به، فما الذى يجعلهم فى أن يقفوا منه تلك المواقف الغريبة، وهذا بالتالي أيضا ما يفند أية مزاعم تحاول تشويه هذه الصورة..؟!!

وهنا أرى أيضا أنه ليس من شأن أي مواطن ومهما كانت الأسباب، بأن ينحى باتخاذ مواقف سلبية تجاه وطنه ومواطنيه، بل أن ما نلمسه هو الانسياق الفطري في الود والحب لمواطنيه والعلاقة الطيبة مع الجميع، والولاء للأرض والوطن، وما يردده البعض عن تجيير الولاءات والانتماءات لخارج الوطن، فلاشك بأنه ضرب من الأوهام والتخيلات الجوفاء التي لا تختمر إلا في عقول وأذهان المغرضين، الذين يريدون زعزعة الاستقرار الذى تنعم به بلادنا، وتشويه الحقيقة وتخريب العلاقة والنسيج الاجتماعي المتماسك الذى يربط العلاقة الحميمة بين كافة شرائح المجتمع في هذا الوطن العزيز.

أخيرا آمل من استاذنا الكبير الغذامي أن يعود لطبيعته ويبتعد عن شكوكه وظنونه وتشاؤماته، التي جثمت فيما يبدو على أفكاره، نتيجة لنظرته التشاؤمية التي تمخضت عنها قراءاته السياسية، حول التداعيات التي تشهدها المنطقة، وأن يعود مختارا وراغبا لأصدقائه ومحبيه وطلابه وهو راضيا وسعيدا وقرير العين.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»