آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 12:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

”ريحة هلي“ وإلهام الفن‎

محمد آل عمير

يفتتح المعرض السنوي التشكيلي على صالة نادي الفنون بالقطيف هذا العام 2016، تجربة فنية مفاهيمية تبحر معها سيمياء الحكاية الشعبية متناغمةً بصدى الصورة والانتقالات المتحركة لتوصيف العمل الفني بالإضافة إلى إضفاء الخط العربي وتناثر صوت الكلمات على هالة الرؤية في التجربة المعروضة؛

وكأنها أداء مسرحي ينطلق بك نحو صياغة مفهوم تتباين معه آراء المشاهدين، انطلاقًا بالهوية وبين دائرتان: في الضفة الأولى رجلٌ يسند ذراعيه على ظهره وفي كيانه حكايا وآهات وهمهمات إما يلقيها في أرصفة الأمكنة التي يعبرها أو يترك للأمكنة أن تُعبّر عنه،

ريحة هليوفي الضفة الثانية امرأة تسير بعباءتها وكينونتها تلقي وتلتقي بظلال العُمر المتراكم في تجاعيد السنين، تعبر على أرصفة كثيرة تزورها - لكنّ ليس كل ما نزوره يلامس ذاكرتنا ومشاعرنا - تنتظر الحنين أن يظهر أو أن تأتي للحنين وتلتقيه، تسمع تراود الخواطر من كبد الرياح التي ترسل إليها بريد الكلام،

وصور الكلام - الخارج من البريد الوارد - تنتقل إلى الضفة الأولى لتشرح ما تود الامرأة أن تحكيه وترى رائحة كلماتها تفوح في شذا الأشرعة ونوارس الأحلام ونخلة تنثر نونيات المكان الذي لا يزال يسكنها تمتد إلى كينونة الرجل المسند ذراعيه وكأنه ما يمر عليه من مشاهد أضاءت له الطريق كي يبصر دكةً يستريح فيها،

ويتأمل سنينه التي لطالما زار فيها الكثير من المشاهد والآفاق والآهات والنوافذ والأبواب وعروج البحر والنخل في معناه وعيناه وحتى الخيالات في طفولته كانت لها نصيبًا في التصميم الداخلي لنفسه وهويته وأثرها على الناس مِن حوله،

ننتقل مجددًا إلى الامرأة ونجد هي التي تعبّر وتبوح بحروف ”ريحة هلي“، تستعيد التلاقي والاجتماع البشري في كيانها وتصوراتها، في مدى ارتباطها بهذا المجتمع كأهل، ولابد للأهل أن يجتمعوا ولو كانوا متشاجرين في اختلافات متعددة ومتباينة،

في بدايات ونهايات الحياة وما تتضمنه من مرافقة أصدقاء وآهات أحباب ودموع حنين ودعوة فرج واشتياق لمسافر أطال الرحيل، وعن رحيل لأشخاص لا تتكرر في مسير حياتهم كسمات وصفات نادرة، كلها أضافت للعمل الفني نبضه وإلهامه وقدرته على حياكة نسيج الأصالة بتكامل مع المعاصرة،

وهذا ما ينبغي أن نجده في الأعمال الفنية المعاصرة: حينما دخلتُ هذه الغرفة المظلمة إلا من الدائرتين المضيئتين وجدت نفسي وكأننا في مسرح ممزوج بالسينما مع إضافات تشكيلية أدبية فوتوغرافية، تثري للعمل تجليات وصياغة للتأملات الوجدانية،

حول ما يمكن للحياة أن تمنحنا من نوافذ التفكير والتأمل، وحول أثر الدائرة في توجيه بوصلة المعنى وتأثيره النفسي على خيالاتنا ومعاينتها في الواقع، حول أثر الصورة في توثيق الذاكرة، وحول الكلمة التي تضيء برصيف الحكاية بسردية مختصرة ولكنها مكثفة في روح الحنين والاشتياق ومعنى التلاقي الاجتماعي والتواصل الحقيقي وفي ما مدى حضورنا ووجودنا مع من يشبهوننا أو نشبههم في هوية أو جغرافيا أو حتى ذاكرة جماعية يكتبها الزمن بمشاعر الناس وحكاياهم..

تحية لكل الفنانين والمبدعين المشاركين في العمل: زمان جاسم، محمد سلمان الصفار، محمد الخراري، يوسف إبريه، رباب إسماعيل، محمد تلاقف، حسن رضوان، ميثم توفيق.. دمتم بإبداع وتألق