آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 2:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

تيارم / ربيعهم ومناجاة الأرض

محمد آل عمير

ليست الكلمة وحدها لها سيادة التنوين والتكوين للكتابة عن مشاعرنا وهمومنا، فترى أنه يسطع وهج الصورة بمبتدأ الرغبة في الولوج ناحية عمق الكلام وأنسنة الكلمة بإطار الضوء، الكلام العميق صورة تختزلها اللغة، اللغة كينونة لها أبعادها وتجلياتها، كما أنها تقع ضمن شفاهية الألسنة، فهي بحد ذاتها، تسير في شرايين الضمير بصمت، بإمكانها أن تكون صامتة تُلهمك الإنصات لها، للتعبير أكثر بما في كوامن ذاتك،

تيارموهج الصورة الذي هو موضع حديثنا ضمن إطار اللغة، ينثر عناقيد المعنى بإحداثيات التفكير المتراكم عبر الذاكرة وتجاعيد الزمن، عبر مرتكز المسير وروح المكان، عبر النظرة وأبجديات الشغف بما يلامس القلب، عبر درب الشمس ومواسم كل عام؛

لذا فاللغة حتمًا تتناسب بانجذاب ودهشة ناحية توثيق الصورة بنطاق الزمان والمكان وتحت دكة ضمير مستتر يعبّر عن وجهة ما نريد أن نقوله ونود أن نبوح به، وأحيانًا أخرى ترى الصورة بضمير متكلم يحكي كجزء من تخليد سيرة ومسيرة بباب الذاكرة لمكان ووجهة ما،

يتكأ كتاب الصورة: تيارم للفوتوغرافي أثير السادة، ناحية انبساط الحياة الخضراء وأثرها على حياة الفلاحين وفي معيشتهم وحكاياهم، يرصد بعدسته ناحية ضوء الحياة وعلى مدى مواسم الألوان الباهرة، ويحكي عن أبجديات البذور وحميمتها مع الماء، وحول التربة المتعبة في لحظات كساد، أو في لحظات انشراح فلاح ببهجة حصاد، حول الإسفلت الذي يردم البقعة الخضراء،

وحول الماء الذي يمثل نصف الذاكرة، والشجر يمثل النصف الآخر منها، وفي تعريف وتوضيح معجمية الذاكرة: هي جذور عروقها ارتواء أصالة، وفي أغصانها صحبة وفاء مع إشراق السماء، وحول الأرض التي تبتكر لها هالة الصمت للكشف - عن استحياء - لإبراز معنى الواحة وابتهاج الأرض كما ينبغي، يستفتح الكتاب بمعنى ”تيارم“ على لسان أبو عبد الله، إبراهيم السعيد، فلاح تسعيني، وحول ما قاله: إذا صار النيروز انتهى وقت تنبيت النخل، وطلع البرد، وإذا جا هوا أو مطر يسمونه تيارم، وهذا يستمر أربعين يوم...

وحول ما يتعلق بالكتاب المصور، ما الذي توحيه لنا الصورة كي تكوّن مفاهيم ومعاني وأسلوب حياة، نحن كجزء من هيكلية تنظيمية، نبعثرها في كوامن ذواتنا، لكنها توّضح لنا الهيكلية؛ أنه لابد أن يكون للإنسان دور وظيفي، إما إعمار الأرض، أو تدمير ما فيها من كيانات الحياة،

وهذا الكتاب المطرز بتنونيات الأخضر، كانت مقدمته تصف معجم الذاكرة بمعانيه وتوصيف كينونة المكان بشجر وماء، ناحية قلق الإسفلت واللون الأخضر، ناحية التمدن، والواحة وموقعها ضمن جسد المكان ورصد الكاميرا لعوالم الضوء ورائحة اليخضور في الأرجاء واللوحة المرسومة في سطور الشمس، ناحية أمنيات الفلاحون والتربة المتعبة بالأسئلة وتحولات العصر في الخارطة الخضراء والمدينة  القطيف - التي كانت مكسوة بتوليفة وتكوينات الحياة على امتداد الساحل الشرقي للخليج،

حول قصيد الماء ونشيد الشجر، وتأويلات البحر، حول كل ما كان يبعث على الحياة ردائها الباهر، وثمارها الملونة بالأمل، يركن ”تيارم“ إلى عريش إلى ذلك المكان المصنوع بنظرة فلاح بألواح خشبية متراكمة وسقف مغطى يترك مسافة من الظل وضوء يطل على استحياء من فتحات تخترق خشبية الشكل متجهة ناحية حيوية المضمون،

عريش يمنح للفلاحون والبذور والماء، الحديث عن أبجدياتهم وحكاياهم تجاه الأرض والأخضر وما تبعثه السماء من شروق أو ضباب أو فضول طائر تترصده الفزاعات، لنتخيل أن ”تيارم“ جولة تتكأ على ثمانية أبواب، كل باب لا يرتبط بجدار ويستبدل ذلك بهمزة مغلفة ببوح ضوئي أخضر مختزل،

الهمزة الأولى: في اللغة مبتدأ، أيضًا هنالك «مبتدأ للأرض»، يبوح ”تيارم“ بهذا المبتدأ ناحية شيء يضفي إلى مناجاة البذور للأرض، وفي جوفها كيان يؤثث الأحلام.

الهمزة الثانية: أحراز الفلاحون، «الفزاعات»، وزي متعلق بهوية المكان، يرصد فضول الطيور المسافرة.

الهمزة الثالثة: نصوص تبعثها الأرض للحياة، بلا تناص مؤثثة بأصالة الماء، ومنها تُستلهم قصائد الحنين للأرض، للحياة، لعروج المشاعر ناحية عالم الماء، وهو ”ينفج في ثنايا المكان من روحه“، هكذا هو «دفتر الماء».

الهمزة الرابعة: ”الماء حينما يهرب إلى الماء، في زفيره يولد العشب“، «منتهى السقاية»، في الملاذ الحي الذي ينذر بالتلاشي والتبدد، في رغبة كائنات في فصلها الأخير لمأوى، هذا متكأهم الساقي سيسدل ستاره أمام الإسفلت الذي لا يرحم.

الهمزة الخامسة: سيرة باسمة وصابرة، «وجوه»، متشبثة بالشغف للأرض، لإشراق السماء على حصادهم وزرعهم وقطاف سنينهم، حول نقش أحلامهم على ملامح الأرض، وحكايا مدونة في تجاعيد الأيام.

الهمزة السادسة: «شرفات الضوء»، هنا تسطع توليفة النسمات والتأملات، ”باخضرار الأمل، وبسطوة النضج، وشهية القطف“.

الهمزة السابعة: «بهجة الحصاد»، ولوج نحو ما تمنحنه الأرض رغم مشقة كل المواسم، ”كدهشة المولود هو الحصاد، أسماء وألوان شتى، لكنه الجسر إلى السوق دائمًا“.

الهمزة الثامنة والختامية: على «هامش الضباب»، يختبئ جزء من بوحنا المشاعري تجاه الواحة الخضراء، وتعرج مخيلتنا وتتأرجح نحو ”احتمالات المكان“، وفي تأمل الضباب ومناجاة الأرض وشيء من هالة التوهمات.

وختام الهمزات لا يعني ختام بريد الأسئلة عن الواحة والأخضر وإشراق السماء والمواسم وحكايا الفلاحين وترتيل الماء على نصوص الأرض، ما يزال دفتر الحياة يعج بالتحولات، وما تزال التحولات تجد حيزًا من التاريخ، إما بإعمار أو إهدار، وكل هذا يحتم على الذاكرة أن تتحمل كل هذا التعب، لأن كل حصاد يأتي من عرق جبين المُزارعين وضمائرهم الحية يخلّد ويتجذر في مناجاة الأرض، التي تبتكر لهم ربيعهم المنشود في أعماقهم وفي سيرتهم على هذه المعمورة..