آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 2:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

مستمر المعرض حتى 6 يونيو على صالة نادي الفنون بالقطيف

”رؤيتي“ .. اللغة الوجودية وهواجس الاستكشاف

محمد آل عمير

تسطع على وجودية الإنسان وآثاره، الكثير من المحاور والأبعاد والتجليات، يدوّن الإنسان خطواته، يرصد ما يبنيه، ما ينهمك لأجله، ما يدعه لأن يلامس مشاعره، ما يميّزه عن غيره، ما يجعله موجود وحي، ما/مَن يتكيّف معه، ما يبقى معه بالفطرة، ما ينقله ويكتسبه ويحكيه تحت إطار نفسي وفطري واجتماعي، ما يمكنّه من الوصول إلى خطط للبقاء وبالأخص في أماكن لا تصل لها أشعة الإعلام باهتمام، كما تهتم وترعى المشاهير من فنانين مسلسلات ولاعبين وهلم جرا،

الأفلام الوثائقية في القنوات الوثائقية المتخصصة في هذا الصدد لا تكفي، بل وسيلة لا تستطيع أن تصفق لوحدها، لذا ترى - على سبيل المثال - قناة ناشيونال جيوغرافيك بالنسخة العربية - وتحت محور عربي ذات أهمية -، قد أطلقت مسابقة للتصوير وعليها جائزة ثمينة للغاية، هُنا تكمن للصورة سيادتها وقوة حضورها في التأثير والتطوير في الإعلام والإسهام في زيادة الإدراك الاجتماعي والثقافي وحتى الاقتصادي والسياسي،

هُنا تسطع أهمية وجدوى رسم معنى واضح لرسالة مبتكرة حول عناصر ومحاور معينة في عالم التصوير؛ مما يستدعي تخصيص محور بعينه لكي يعطي ويمنح أثره وقوته ولربما كيلا ينهك لجنة التحكيم في التشتت لتحكيم عدة محاور وثيمات فوتوغرافية،

هُنا في معرض ”رؤيتي“ تمكن المشاركون في هذا المعرض في تخصيص محور بعينه، وتجربة لها قاسمها المشترك ألا وهو الإنسان، في وجودية الإنسان وآثاره في إدراك «انثروبولوجيا الوجود»، في التجربة المشتركة والمتباينة بين الشعوب، القبائل، الجماعات والديانات، في اللغة والتاريخ والجغرافيا، في سمات متميزة، في ملامح مختلفة، في ألوان متعددة، ويشتركون في ابتعادهم عن وجاهة الإعلام العالمي ووجاهة شهرة أو عرض تسويقي لدعاية ضخمة،

وفلو نذهب قليلًا خارج أسوار المعرض، - فلو تسمحوا بالخروج قليلًا عن صلب الحديث -، نشاهد مثلًا الفوتوغرافي محمد باقر العبدالمحسن كان لطالما يركز على وجوه المشردين، قد يتساءل وما الفائدة والجدوى في وجوه تعيش تحت وطأة الأسى والهم والعزلة الهرمة المتعبة، وهُنا أشير لطالما كان هؤلاء تحت خانة المهمشين والخارجين عن العالم وهم يعيشون في العالم، وما دام أن العبدالمحسن يجيد الوصول لهم بحذر، لابد أن يرصدهم ويظهر للإعلام هذا الجفاء لمَن همشهم وقلل من جدوى وجودهم في هذه المعمورة، فلربما كان لأحدهم أثر في تغيير واقع هؤلاء المشردين من خلال صورة شاهدها تتحدث عنهم وعن مآسيهم،

نتجه بعيدًا نشاهد أيام الفوتوغوافي الأرمني يوسف كارش حينما حددت عدسته شخصيات بارزة ومشهورة في عهدها، كانت تقع ضمن دائرة الاهتمام الوجودي والإعلامي، لكن كارش كان قد وُفق في اقتناء المعالم الجمالية التي تجعل من عالمه الضوئي يبدو ذات فرادة ورؤية مبتكرة لصورة أكثر جاذبية مع الاحتفاظ بواقعيتها وأثرها؛ حيث كان يلتقط الشخصية وهو يدرس نوعًا ما ما يجذب هذه الشخصية وما يؤثر فيها؛ وبالتالي فإنه قد حدد أُطر تفيده في التقييم الجمالي والفرادة تحت إطار الضوء،

نرجع لمعرض ”رؤيتي“: هُنا كان للمعرض أبعاد إنسانية انثروبولوجية تقع ضمن هواجس صناعة الجماليات الفوتوغرافية مع الاحتفاظ بالكم المطلوب في تعريف الوجودية والتباينات البشرية والثقافات المتنوعة، أي رسم حدود للصنعة الجمالية لتتناغم - ما أمكن لها ذلك - مع واقعية العنصر البشري المُلتقط وبيئته وثقافته، فنرى الصور مُلتقطة بعناية هذه العناصر مجتمعة معًا، باستثناء تجربة الفوتوغرافي مهدي العوى كانت تحت مخبر الاحتراق بصياغته التشكيلية والفوتوغرافية مع هالة أحادية تنفرد نحو توجيه التكوين ناحية الملامح المتعبة وأثر الزمن عليها مما يمنح للنواحي المشاعرية حضورها ناحية المضمون والمعنى داخل إطار تجربته،

الفوتوغرافيون: بدر المحروس، نديم آل صويمل، عبدالإله آل مطر، هاشم آل طويلب، أشرف آل أحمد، كانوا يجيدون إظهار الجماليات بتجليات لونية وروح الواقعية مع خلفية البيئة وشفافية توضيح الخلفيات الثقافية والدينية بحيادية الصورة المُلتقطة وتوجيه على الجانب البصري دونما محاولة لإخفاء شيئًا من ذلك كحج المسيحيين وما يظهره الفيتناميين والإثيوبيين من ثقافات وعادات وقناعات،

فهذا يدل ويتبين أن ليس كل ما تلتقطه الكاميرا لابد أن يكون ذات صلة وثيقة ومشتركة تمامًا مع حامل الكاميرا في توثيق ما يراه ويلاحظه، هو يكون في هذا الصدد بمثابة منصة إعلامية تظهر الواقع سواء أكان تحت انحيازاته وآرائه أو خارج قناعاته وثقافته وديانته، فهي تأتي من باب تقبل الاختلافات من بين البشر وضرورة فهم الآخر وثقافاته ومعتقداته،

تأتي هذه التجارب كمحاولة الوصول لرسالة عميقة تتجه إلى إقصاء التهميش الطبقي والعقائدي والوصول الوجودي والمشاعري إلى مَن يسكن الصحاري والجبال والأماكن التي أنهكتها الظروف الاقتصادية، وأزمة تحصيل أرازقهم، وتأمين مساكنهم من عواصف الطبيعة وجور الزمن،

إذًا للصورة ابتكارتها، أسئلتها، اهتماماتها، تغيراتها، ولها أن تكون وسيلة للتغيير وإبراز العتمة التي لا تظهر إلا بوميض الكاميرا على هذه المجتمعات والقبائل والشعوب، ل ”رؤيتي“ كلمات تلامس الوجود واختبار الإنسان بإنسانية ومعيشة غيره في هذه المعمورة،

هواجس الاستكشاف هي ما تجعل الوسائل المؤدية إليها تبدو أقرب وذات صلة بالمصور؛ كي يبرز ما يريد أن يلاحظه ويستكشفه، ويقوم بإبراز واقعية الصورة، لكن كما أسلفنا بالطريقة الجمالية التي يحب وبأدوات التشكيل إذا تطلب الأمر، دون تغييب الواقعية وخصوصًا في الأبعاد الوجودية للإنسان ومعالمه المتجلية فيه..