آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

في قراءة استطلاعية مفصلة

رؤيتي الفنية في حلقة يزيد وعبد الزهراء

أحمد علي الشمر *

تابعت مؤخرا كغيري كل أو معظم الكتابات وكذلك بعض مقاطع الفيديو التي أثيرت في مجملها، حول الحلقة التلفزيونية «على مذهبك  في سلفي 2» الذى ظهر فيها الفنان ناصر القصبي في دور عبد الزهراء الشيعي، والفنان عبدالله السناني في دور يزيد السني.. والتي تم عرضها في أول ايام الشهر المبارك الحالي على قناة الـ «mbc» وهي من بطولة الفنانين ناصر القصبي وعبد الله السناني وحبيب الحبيب والفنانان اللذان أديا دور الأبناء، ونخبة هؤلاء الفنانين الذين جسدوا أداور هذا العمل، هم في الواقع الذين تمحور حولهم سيناريو حوار هذه الحلقة.

وكلنا طبعا قد تابع الجدل الذى أثير حول قصة الحلقة، بكونها تناقش وربما لأول مرة وفى موقف جرئ وغير مسبوق، وعلى قناة سعودية وبقصة وفنانين سعوديين، تناقش قضية طائفية بحتة بمعناها الدقيق والواضح، ودون مواربة أو تمويه..!

حقيقة انا هنا لن اتناول الموضوع من حيث طريقة وأسلوب التعرض لذكر

الانطباعات الجدلية التي اثيرت حوله الحلقة، بما يبين طابع تلك الآراء التي طرحت بين جوانب السلب والإيجاب، بخلاف رأي الشيخ المفكر حسن المالكي الذى تناول الموضوع بشكل علمي ودقيق أوفى فيه حقه في التأصيل والتوضيح، وبما يخدم دعم التقارب بين الجانبين في المجتمع السني والمجتمع الشيعي، والذي أقدم له التحية هنا بهذه المناسبة.

وأما بخصوص تناولي لموضوع الحلقة، فسيكون من منظور قراءة فنية استطلاعية، محاولا إلقاء الضوء على بعض كوامن القصور في الجانب الفني خاصة في إعداد الحلقة كقصة جيدة ومقبولة للعرض من جميع أطراف المجتمع، وثانيا عرض رؤيتي الشخصية في سيناريو العمل، وبأ أن تكون حبكة القصة جيدة ومقبولة للجميع لهدف إصلاح ذات البين، بين طرفين مسلمين طال بهما التنازع والخصام لأسباب وفوارق هامشية، رغم وجود أكثر من ثمانين في المائة بينهما من المشتركات.

ومن ثم محاولة كشف بعض العوامل الفنية للعمل من المنظور الفني والإخراجي.

ومن هنا أفترض بانه كان من واجب معد القصة بداية أن يلتفت إلى أهمية هذه القضية، بحيث يكون أبعاد النظر لمضمون هدفها، هو التوجيه المتوازن دون إثارة الحساسيات، وكدعوة غير مباشرة توجه للتغلب على جوانب الإثارات الطائفية ودون محاولة إبراز، كما بينت الإشارات المثيرة للتأجيج وإبداء عوامل الحقد والضغينة والحساسية بين أطراف الطائفتين الكريمتين.

غير ان مضمون هدف القصة للأسف قد جاء بعكس هذا المنحى، حيث غذي بكثير من المواقف، التي ضربت على الوتر الطائفي البغيض..!!

فعن طريق عبد الزهراء الشيعي ويزيد السني أعادا تجسيد نفس صور الشقاق والصراع الطائفي المعروف، وقد رأينا بأن سيناريو الحوار بينهما قد امتلأ بتلك الإشارات الملغمة التي تنضوي وتصب في جوانب التأجيج وإثارة النعرات الطائفية، وهي مضامين كان الغرض المطلوب بالأساس هو تفاديها، عبر محاولة الدعوة لتقريب المواقف، وليس لتعميق الخلاف والاختلاف بينهما، وقد وجدنا بعض من تلك المواقف والممارسات قد تجسدت في هذه التعرية المكشوفة للإثارة، وهذا رغم محاولة المؤلف إضفاء الطابع الكوميدي على القصة، بجرها لمواقف معبرة في رأيه عن طبيعة سلوكيات التشدد والتطرف والتكفير السني للشيعي وبالعكس، بجانب إبراز مواقف غريبة وساخرة ومبالغ فيها بصورة مسيئة، حول طقوس الشيعة ومعتقداتهم، وذلك عبر إشارات غاية في السذاجة والبلاهة، وهي سلوكيات ومواقف لا توجد أصلا إلا في عقول ونوافيخ بعض الجهلة من المتعصبين والمتطرفين..!!

ومن أهم تلك المواقف الكوميدية السوداء المبطنة بمغزى لاشك أن له دلاله واضحة، على الاستخفاف والسخرية، وقد يحسب أيضا كنوع من الإساءة والتشويه لمذهب أهل البيت في بعض ممارساتهم وطقوسهم، وهو ذلك الموقف الذى تناولته خطبة الفنان ناصر القصبي، الذى يؤدي دور عبد الزهراء في الحسينية، وذلك حينما ذكر موقف قصة المريض الذى عجز الاطباء عن علاجه إلا عبر طريقة البتر، لكن شفاؤه قدتم بصورة سريعة فاجأت جميع الأطباء، وذلك عبر ظهور أحد المشايخ له في الحلم، والذى نصحه بوضع خيط على مكان الألم على حد هذا الزعم حتى يتم شفائه..!!

وهي لاشك محاولة واضحة لربط مذهب التشيع بترويج بعض الخزعبلات ومعتقدات السحر والدجل والشعوذة، التي لا تنم إلا عن عقلية متخلفة بربطها بتلك الخزعبلات، وهذه في الأساس إشارة واضحة يريد المؤلف ربطها ببعض كرامات أهل البيت، رغم الاختلاف والبون الشاسع لخلفية الموضوع.

وأما قصص كرامات اهل البيت، فهي قصص واقعية حصلت وتحصل لبعض المرضى، ممن ثبت صحة الحوادث المؤكدة لشفائهم بالدليل وبالبرهان القاطع، وثبتتها كذلك بعض تسجيلات مقاطع الفيديو وربما الموجودة فعلا بعضها على قناة اليوتيوب، ولكن من المصادفات الطريفة لهذه القضية تحديدا، أتذكر موقفا لأحد من أهل السنة، الذى قام بنفسه بترويج قصة حقيقية كما يقول، شرحها وروجها هو بنفسه ولم يروجها يروجها شيعي، فقد قال وفى تفصيل مطول عبر «غرفة الغدير» وهي أحدى غرف المحادثات الشهيرة، المعروفة عبر شبكة الأنترنت.

وذلك حينما أشار إلى قصة والدته المصابة بالمرض الخبيث، وبعد أن أخبره الأطباء بأن علاجها ميؤوس منه وبأن وفاتها ستكون خلال ايام أو أسابيع معدودة، وهو مما جعله يلجئ وبحسب روايته لزميله الشيعي في العمل الذى أوصاه بدوره بمحاولة عمل نذر لها لدى أحد أئمة الشيعة خلال شهر محرم.. وبحسب رواية المتحدث السني.. افاد بأنه فعلا قد قام واتم النذر، إلى أن تفاجأ باختفاء مرض والدته تماما، وهو مما أدهش الاطباء الذين كانوا يعالجونها، بحسب رواية صاحبها المذكور، ومما يجدر ذكره هنا أيضا، بأنه حتى وقت قريب كان يتم ترويج وانتشار شريط ذلك الكاسيت بتداول نشره في اوساط المجتمع، وقد يكون الآن من الممكن أنه قد تم أيضا نشره عبر وسائط ووسائل قنوات التواصل الحديثة، مع التطور السريع والحديث للثورة المعلوماتية والنهضة الإعلامية الحديثة.

أما بالعود لبعض العناصر الأخرى كموضوع تبادل الابنين خلال الولادة، والذى تناوله محور سيناريو القصة، فهو وإن كان موضوعا مركبا وربما من الناذر حصوله، لكنه جاء بناء معقولا ومقبولا في سرد حيثيات ومضمون موضوع القصة، عدا ذلك بعض الأفيهات المتعلقة ببعض عبارات الشيعي عبد الزهراء، حول بعض الدلالات التحريضية حول موضوع الصلاة، وبالتالي تأدية الصلاة في الحسينية، فهي وإن كانت إشارات كوميدية، يقصد منها دلالات معينة، لكنها في كل الأحوال تعتبر سقطات أخرى للمؤلف، فالمعلوم أن الصلاة تؤدى في المسجد وليس في الحسينية، وبالتالي فإن الشيخ الشيعي، عرفا وتقليدا لم يعرف عنه هذا السلوك المنافي للآداب العامة وأصلا لتوجهاته ومعتقداته الإسلامية، لا في الحسينية ولا في غير الحسينية، وبأنه يحرض على نبذ الآخر ومذهبه، كما لم يعرف عنه كذلك دعوة أتباعه للحط من قدر طقوس وتقاليد الطرف الآخر السني في صلاته وتوجهاته، وبتلك الصورة المقيتة التي أظهرتها لقطات سيناريو العمل على لسان الشيخ الشيعي بصورة تدعو للاحتقان والسخرية، وإنما أن الاختلافات والتباينات والتجاذبات المعروفة بين الطرفين محجمة، وتظهر من خلال بعض المصادر وعلى صورة استدعاء من البعض للخلاف السياسي المعلوم، الذى حدث بين الجانبين منذ العصر الإسلامي الأول، ولما بعد وفاة الرسول ﷺ، وخاصة حينما يتم التعرض، وهو بالمناسبة ناذرا التعرض لتلك الأحداث التاريخية، سواء من خلال بعض المحاضرات أو تناول وذكر المصادر التي تبحث تلك الأحداث، وتحديدا من قبل الطائفة الشيعية وشيوخها ومراجها، الذين على العكس من ذلك كثيرا ما يحاولون رأب الصدع في هذه القضايا تأكيدا للوحدة الإسلامية وتفويتا الفرصة على المتربصين، خاصة وأن إشعال هذه القضايا أصبحت من أهم الأسباب المؤدية لإثارة الجدل والشقاق والحساسيات والنعرات الطائفية بين الطرفين، ورغم ذلك أيضا فإن تلك الإشارات أيضا لا تبرر للطرف الشيعي، كما هو معروف التعرض أو المس بالعادات أو التقاليد أو المعتقدات الدينية المتعلقة بالصلوات أو العبادات أو الممارسات الفردية أو الجماعية للطرف الآخر السني.

وأما التعريج للنواحي الأخري المتعلقة بالجوانب الفنية للعمل، فلا شك بأنها جاءت بصورة تكاد تقترب من مرتبة الشرف في تقديري المتواضع إخراجا وتمثيلا، هذا إذا ما تجاوزنا بعض سرديات نص العمل بالشكل الذى أشرنا إلى بعض خلفيات السلبية المشار إليها.

ولكن إجمالا يعد العمل ناجحا بالمقياس الفني العام، من حيث الإعداد والتهيئة لجميع كوادر العمل، وبكونه عملا هادفا يتعرض لقضية عقدية اجتماعية بأسلوب وطابع كوميدي محبب ومرغوب للجميع، فمن جانب الفنانين المشاركين في العمل، أظهر الفنان الكوميدي ناصر القصبي كعادته إبداعاته وإمكاناته الكوميدية المرحة، سواء في الحركة، أو عبر اجتهاده في محاولة تقليد اللهجة المحلية، رغم المبالغة الواضحة في بعض العبارات، لكنه رغم ذلك في العموم استطاع استقطاب واستمالة عواطف المشاهدين بكل انتقالات مشاهده الحوارية، كما ان الفنان عبدالله السناني، وهو فنان عريق وصاحب تجارب ناجحة، قد أعطى خلال هذا العمل أيضا، صورة صادقة وحقيقية وبإتقان شديد ولافت في إبراز شخصية الرجل المتشدد ضد الطرف الآخر، والحريص على المحافظة على مبادئ قيمه ومعتقداته الإسلامية التي يؤمن بها، وأما أطراف الفنانين الآخرين ومنهم السيدة التي أدت دور أم عبد الزهراء، فقد أجادت الدور جيدا وأتقنت لهجة أهل القطيف باحترافية مبهرة، وكذلك السيدة الأخرى التي أدت دور أم يزيد، أكدت على قوة شخصتها كأم تريد المحافظة على نقاء عقيدة ابنها من أية شوائب جانبية، وأما الفنانان عبد الزهراء ويزيد، فقد نجحا أيضا في إبراز دورهما، كابنين مطيعان لوالديهما بحسب الوضع المفاجئ الذى وجدا نفسيهما فيه وبالشكل لقي تعاطف المشاهد معهما باعتبارهما ضحيتان مغلوب على أمرهما، من قبل والديهم بعد المتغير المفاجئ الذى طرأ على حياتهما.. كما لا نسي الفنان الذى أدى دور الشخص المطوع الذى يقوم بإسداء النصح للابن عبد الزهراء الذى أصبح يزيد، والذى أبدى قدرة على تقمص شخصية المطوع أو رجل الدين المتعصب والمتشدد، في إصراره على عودة المتحول يزيد إلى العودة للوضع الطبيعي لحضيرة المذهب السني، وتلك لاشك لفتة جميلة من هذا الفنان تعطيه مجال نحو الامام في ميدان مستقبله الفني.

أما مخرج العمل الأستاذ أوس الشرقي فالحقيقة أن شهادتي به مجروحة، لكونه فنانا قديرا ومتمكنا من عمله بصورة مبهرة، فقد استطاع فعلا من قيادة وتحريك الممثلين والعمل بأكمله، إخراجا وتمثيلا وتصويرا وإضاءة ومؤثرات أخرى للعمل، بما في ذلك تتري البداية والنهاية المصاحبة لبعض اللقطات المجتزأة من محتويات العمل والمصاحبة لصوت الفنان الجميل راشد الماجد، استطاع المخرج فعلا قيادة العمل بطريقة مبهرة ومتقنة ورائعة جدا دون مبالغة، أبرزت سيناريو الحوار وحركات وتنقلات كادر العمل بشكل دقيق، اثار إعجاب ورضى المشاهدين، وبما في ذلك كل ذلك الجدل اللافت الذى أحيط بالعمل، وهو إشارة قطعية على نجاح العمل فنيا ودون منازع في هذه الحلقة على الأقل، وهذا لاشك نجاح يتوج نجاحه المستمر، والذى يستمده الأستاذ الشرقي كما عودنا من خلال خبرته وتجاربه المتمرسة في أعماله السابقة، وأعتقد أخيرا بأن خاتمة العمل الجميلة، التي جسدها الأستاذ الشرقي في لقطات واضحة المعالم والتأثير في كادر النهاية، كانت نقطة مضيئة أعطت الفسحة للأمل والتفاؤل بهذه النهاية السعيدة، للابنين في أقل تقدير في التعبير عن رضائهما وقناعتهما بالحقيقة التي باتا عليها، وهو بالتالي الأمر الذي انعكس من ناحية أخرى على سعادة ورضى المشاهدين على هذه النهاية السعيدة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو أحمد
[ سنابس ]: 13 / 6 / 2016م - 2:02 ص
ونتمنى نهاية سعيدة لهذا الموضوع الذي اصبح " كالكابوس " .
كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»