آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 3:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اللذة القاتلة

جلال عبد الناصر *

دخل إلى حمام محطة الوقود واللهفة تغمر قلبه فهو على موعد مع الحبيب. مما جعله ينسى ويتناسى كل من حوله كزوجته التي جرى خلفها لسنين وولده الذي قد بدأ للتو بالحبو. فجلس على الأرض إلى جانب المرحاض الذي تفوح منه رائحة منفرة. وبالرغم من كل ذلك يبقى لقاء الحبيب أهم من كل الظروف. وما إن أخذ موضعه حتى اخرج حقنة وقطعة مطاط من جيبه وراح يلفها حول ذراعه باحثا عن عرق يؤمن له أجواء «السلطنة». واخرج أيضا ملعقة وولاعة. وإذا بيده تتسلل إلى الجيب الآخر ليخرج كيسا صغيرا قد احتوى على مسحوق أبيض... كل تلك التفاصيل كانت تجري وهو يعض على شفتيه شوقا للنشوة... ولكن ما إن سحب ذلك مسحوق أبيض في الحقنة حتى راح يغرزها في عرقه لتنساب نحو مخه وتمده بالراحة والاسترخاء وكأن بين حالة من النوم والصحو أو قد بدأ للتو في هزة الجماع.... حتى مال رأسه نحو الأسفل وبقيت الحقنة معلقة في ذراعه وفي المقابل كانت زوجته تنتظره في المنزل وتعد له وجبة العشاء بينما طفله كان يطلق صيحات بريئة تقول ”أبتاه... أنظر إلي فأنا بدأت بالتحرك“ ولكن ما هي إلا دقائق حتى تفجرت عروق والده ليرحل إلى الأبد وسط بركة من الدم....

لقد تعرف الإنسان على الأفيون في الألف السابعة قبل الميلاد وقد اكتشف علماء الآثار بأن هناك لوحات سومرية يعود تاريخها إلى 3300 ق. م قد تحدثت عن الأفيون وكانوا يطلقون عليه أسم ”نبات السعادة“ حيث كانت يستخدم لتسكين الألم. وفي سنة 1898 قامت شركة باير للأدوية بصناعة الهروين والمشتق من الأفيون ولكن نظرا لإساءة استخدامه فقد أدرج ضمن المواد المخدرة.

لقد قال لي احد المرضى قبل سنوات ”إن كرهت احد يوما... فادعوا الله أن يبتليه بالهروين“. حينها لم أكن أفهم حجم تلك العبارة ولكن أدركتها عبر الأيام من خلال معاناة المرضى. فهناك من يملك الرغبة الصادقة في التوقف عن تعاطي الهروين ولكن لأن تلك المادة لها تأثير قوي من جانب الاعتماد الجسدي والنفسي فسرعان ما ينتكس المريض ويعود لتعاطيها من جديد. ولعلنا نتساءل عن سبب الإدمان أو عدم قدرة الإنسان على التوقف. وبالعودة إلى نظرية التحليل النفسي فالبعض نتيجة للظروف التي مروا بها خلال فترة الطفولة قد يتولد لديهم شعور بالحاجة إلى الأمن أو إلى إثبات الذّات إضافة إلى الحاجة إلى الإشباع الجنسي النرجسي. وعليه قد يلجأ عن طريق القصد أو غير القصد إلى تعاطي المخدرات «الهروين» وهنا يبدأ الشعور بالإشباع وبالتالي يدخل فيما يسمى بالتحمل حسب مفهوم النظرية البيولوجية أي زيادة الجرعة بشكل تدريجي إلى أن يصبح شخصية اعتمادية.

يجمع أكثر المرضى على أن تعاطي الهروين يمنحهم شعورا يفوق الشعور بلذة الجنس ولكنهم يجمعون أيضا في الوقت نفسه على أن عذابه قد عجز عن وصفه الشعراء والكتاب عبر الحضارات.

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.