آخر تحديث: 19 / 10 / 2019م - 3:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تطوير المنبر الحسيني

الشيخ حسن الصفار *

ورد في رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا أنه قال: «أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا. قيل وكيف يحيي أمركم؟ قال : يتعلم علومنا وينشرها بين الناس، فإن الناس لو عرفوا محاسن كلامنا لاتبعونا» [عيون أخبار الرضا. ج1، ص275].

من بركات دماء سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين ، هذا الموسم الولائي، الذي يتكرّر ويتجدّد علينا كل عام، إنه إحدى ثمرات وبركات تلك التضحيات العظيمة التي قدّمها الإمام الحسين وأهل بيته في كربلاء، حيث ببركة تلك الدماء الزاكية صار هذا الإحياء وذلك بتأكيد من أئمة أهل البيت وبالتزام من المؤمنين عبر الأجيال والعصور، أضحت بداية العام الهجري، العشرة الأولى من شهر محرم، موسمًا ولائيًّا دينيًّا ثقافيًّا، يستفيد منه المؤمنون في كلّ مكان، إنها نعمة كبيرة ينبغي أن نشكر الله تعالى عليها، ونحافظ عليها، ونسعى لتطويرها، واستثمارها بالشكل المناسب.

لعلّ أبرز معلم من معالم هذا الإحياء في هذا الموسم هو «المنبر الحسيني»، حيث يجتمع الناس لاستماع المحاضرات، والتوجيه الديني، وسيرة الحسين، وسيرة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. ومن ألطاف الله علينا، في مناطقنا وفي مختلف مناطق العالم، حيثما يكون هناك أحد من المؤمنين، قلة أو كثرة، تنعقد هذه المجالس، لا يوجد الآن قارة من القارات، ولا بلد من البلدان، كما يبدو، إلا وفيه ذكر لأبي عبد الحسين ومجالس تقام بهذه المناسبة.

هذه المجالس  لعلها في منطقتنا «القطيف والأحساء» حسب بعض الإحصائيات التقريبية  تزيد على ألفي مجلس، وكل إنسان في مدينته أو قريته يعرف عشرات المجالس التي تنعقد في كل يوم من أيام عاشوراء، مما يعني أنه موسم ثقافي إرشادي، ينبغي أن نجد أثره في مجتمعنا، ونرى فائدته على الناس.

مهمّات المجالس الحسينية:

إن المجالس الحسينية في البداية كانت مهمتها محدودة:

ترسيخ الولاء لأهل البيت : عبر ذكر مصائبهم وسيرتهم.

الإرشاد والتوجيه الديني: مع مرور الزمن، أضيفت للمنبر، وللمجالس الحسينية، مهمة أخرى، هي مهمة الارشاد والتوجيه، ونشر المعارف الدينية، فأصبحت هذه المجالس يستفاد منها إلى جانب ذكر سيرة أهل البيت ومصائبهم تطرح المعارف الاسلامية، من تفسير آية، أو شرح حديث أو رواية، أو تبيين حكم شرعي، أو وعظ وإرشاد أخلاقي وفي هذا العصر هناك مهمة ثالثة، تضاف إلى هذه المجالس، وهي:

رسم صورة مدرسة أهل البيت أمام العالم: هذا الموسم الآن لا تقتصر مهمته أو وظيفته على المهمتين السابقتين، ليس فقط أن نذكر فضائل أهل البيت ومصائبهم، وليس فقط أن ننشر المعارف الدينية من خلال هذه المجالس، وهما مهمتان رئيستان، لكن هناك مهمة أخرى أضيفت إليهما وهي إبراز صورة المذهب، ووجه الطائفة، أمام الرأي العام «المحلي والخارجي».

قد يبدو غريبًا إضافة هذه المهمة والتأكيد عليها، لكن لا بُدَّ أن نعرف أنه في الماضي كانت مجالسنا ومآتمنا داخلية في قُرانا، وفي أزقة مناطقنا، بين جمهورنا، حيث تقتصر علينا، أما الآن فقد أصبحت على الهواء، في الفضاء العام، كلّ العالم يسمع ويرى ويشاهد، مما يفرض علينا أن نتحمل مسؤولية رسم صورتنا، وتقديم أنفسنا.

كنا نشكو في الماضي بأن مذهبنا يتعرض لحملات من التشويه، وأن طائفتنا تعاني من التعتيم على واقعها وأخبارها وتوجّهاتها، وكان معنا الحقّ في هذا الادّعاء؛ لأنه لم تكن لنا إمكانات أو وسائل إعلامية، فكنا نعتب على الآخرين، لماذا لا يقدمون مدرسة أهل البيت على حقيقتها؟ الآن ثبتت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر، الوسائل أصبحت متوفرة ومتاحة لكي نقدم نحن الصورة التي نريدها لأنفسنا.

العبور من المظلومية إلى المسؤولية:

كيف نريد أن يرانا الآخرون؟ ما هي الفكرة التي نريد أن نوصلها للآخرين؟

المجال أمامنا مفتوح، في الماضي كنا نقول ليست عندنا وسائل إعلام، والوسائل الإعلامية أصبحت تبحث عنا، وكالات الانباء والفضائيات، في كثير منها هناك تغطيات لبرامج الشيعة في مختلف أنحاء العالم، وفي بلادنا البرامج مفتوحة، في الهواء الطلق، مجالسنا واجتماعاتنا، ليست مخفية، وكلّ يرى ويسمع ويشاهد، وتسجل بعضها وتبث في الفضائيات.

إذن نستطيع من خلال هذا الموسم، بالإضافة إلى ترسيخ الولاء لأهل البيت وهو المهمة الاولى، مع التطوير في الطرح وفي الأسلوب، وبالإضافة إلى الإرشاد ونشر المعارف وهي المهمة الثانية، أيضا مع التطوير والتجديد بما يتلاءم مع هذا العصر، بالإضافة إلى هاتين المهمتين، نعمل على تفعيل المهمة الثالثة، وهي تقديم صورة المذهب، وصورة الطائفة أمام الآخرين، أمام الرأي العام العالمي الداخلي والخارجي، حيث بعض الناس لا يفكر كثيرًا في هذا الأمر، يريد إحياء المناسبة بالمألوف والمتوارث، وبالطريقة التي ترضي مشاعره وعواطفه وأحاسيسه.

ولكن ينبغي ألا نتوقف عند هذا، فليس صحيحًا ألا نهتم للرأي العام، أو لا نحسب حسابا لآراء الآخرين، خاصّة وأن هناك من يتصيّدون ويترصّدون ويبحثون عن الثغرات، وعن الأخطاء، لتضخيمها وترويجها، البعض من الناس يقول هذه شعائرنا وهذه معتقداتنا. لكن نحن نتقيد بالنص، فيما كان منصوصًا عليه، واجبًا كان في مجال الواجب، ومستحبًّا في مجال المستحب، أمّا ما يدخل في باب التقاليد والعادات والأساليب، يكون لنا الحق في تطويره، ربّ وسيلة كانت مناسبة في وقت ما، لكنها غير مناسبة في هذا الوقت، ولعل الكثير من الناس لو قارنوا بين واقع المنبر الآن، وواقع المنبر قبل عشرين سنة، لرأوا أن هناك فروقات، وكذلك واقع إحياء المناسبة الآن، وواقع إحيائها قبل عشرات السنين.

مسؤولية التطوير والتجديد:

يبدو أن هذه الفروقات، يمكننا استيعابها من خلال استطلاع الكيفية التي كان الخطيب يخطب بها في الماضي، وكيف كان يؤدي دوره، حينما كان يذكر المصرع أو المصيبة، من تكسير أعلام وما أشبه ذلك. هذا في الماضي كان مناسبًا، لكنه الآن مع مرور الزمن، أدرك الخطباء والغالبية من الناس، أنه لم يعد مناسبًا، وهو أسلوب من الأساليب ليس منصوصًا عليه، حتى لو أن خطيبًا أراد أن يمارس نفس الأسلوب الذي كان يمارسه في الماضي، لانتقده الناس، ولما قبلوا منه ذلك، اذن لا بُدَّ من التطوير، وأن نحسب حسابًا للرأي العام، ونفقه أن الكلام في أنه لا يهمنا رأي الآخرين في الثوابت وفي الأمور المنصوصة، والأشياء الواردة، هذا صحيح، أما فيما يرتبط في جانب الوسائل والأساليب والتقاليد والأعراف فهي قابلة للتغيير، من زمن إلى زمن ومن عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة. مثلًا: أسلوب الخطاب كيف تتحدث؟ كيف تخاطب الناس؟ ماذا تختار للطرح على الناس؟

لا مناص أن الجميع يعترف بالقاعدة العقلائية: لكلّ مقام مقال، والآية الكريمة: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ[سورة النحل، الآية: 125]، حيث الحكمة وضع الشيء في موضعه، وفي موقعه، الشيء المناسب في المكان المناسب، هذه قواعد شرعية وعقلية، لذلك ينبغي أن نحرص ونحن نحيي هذه المناسبة أن نقدم من خلالها صورة عن مجتمعنا، ومذهبنا وعن المدرسة العظيمة مدرسة أهل البيت التي ننتمي وننتسب إليها، عن طريق الخطاب المنبري، وعن طريق الأساليب والبرامج الجديدة في إظهار هذه الصورة المشرقة.

نماذج من التطوير الإحيائي:

التبرع بالدم وهي سنة حسنة، بدأت في منطقتنا قبل سنوات والحمد لله مستمرة إلى الآن، فلتكن أيام عاشوراء مناسبة للتبرع بالدم، لأن الانسان يتبرع بالدم من أجل المرضى المحتاجين، من بني أمته ووطنه ومجتمعه، هذا برنامج هام ينبغي أن نحرص عليه.

العطاء المالي، عندنا مساجد في طور التشييد، وجمعيات تحتاج الى دعم، وفقراء محتاجون، عندنا الكثير من الحاجات ونحن نستمع إلى تضحيات أبي عبد الله الحسين وقد بذل الغالي والرخيص، علينا أن ننتفع من خلال ذلك للعطاء للحاجات القائمة في مجتمعنا.

أن ندعو الآخرين حتى يحضروا هذه المجالس، أي انسان لديه أصدقاء وزملاء من بني وطنه، من أتباع المذاهب الأخرى المختلفة، فليأتوا وليشاركونا في إحياء هذه المناسبة، حتى يروا الأمور على الطبيعة، لا من خلال ما قد يتناقل أو يشاع.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»