آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 12:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التباهي بالتوفير

يوسف أحمد الحسن * صحيفة اليوم

عندما قام أحدهم بحبس نملة في قارورة وسألها كم تحتاج من طعام خلال شهر كامل ردت عليه بأنها تحتاج إلى حبة أرز واحدة. لكنه عندما جاء إليها بعد مضي الشهر وجد أنها لم تستهلك أكثر من ربع الحبة، فسألها عن السبب فردت عليه: إنها كانت تخشى أن ينساها بعد مرور الشهر فتموت جوعا.. هذه القصة تعطينا مؤشرا هاما لما ينبغي أن يكون عليه تعاملنا مع موجوداتنا وممتلكاتنا، حيث إن التوفير هو المطلوب في جميع حالات المرء، فكيف إذا ما كان يمر بظروف ضاغطة.

لذا فإنه يتوجب علينا أن نعيد تصنيف التوفير كميزة جيدة يمكن أن نتباهى بها، بدل التباهي بالبذخ وزيادة الانفاق. وتعتمد إعادة التصنيف هذه على أمر آخر وهو نوعية القيم السائدة في المجتمع ومدى سيادتها فيه. فحين تسود قيمة التفاخر بالمال والمقتنيات المادية، يزيد عندها توجه الناس نحو ما يعززها لديهم، بينما إذا ما سادت القيم المعنوية السامية، فحينها نرى توجه الناس يتغير بهذا الاتجاه. ونظرة بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي وما ينشر فيها نجد أنواع الأغذية الفاخرة والسيارات الفارهة والسكن المرفه هي المنتشرة، بينما قلما نجد أحدا ينشر صورا لكتاب أو مجلة أو مقال، وإذا ما حصل ذلك فستجد قلة عدد المشاهدات أو التعليقات عليه.

وتسود في المجتمعات الاستهلاكية الحكم والأمثال التي تبرر الانفاق بدون ضوابط من أجل تبرير ذلك مثل حكمة «أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» والتي تنصح بالتفريط فيما لديك اعتمادا على الغيب ودون الأخذ بالأسباب، أما الحكمة التي تقول «لا تدخر فقط ما يتبقى بعد الانفاق، بل أنفق ما يتبقى بعد الادخار» فلا تحظى بنفس الشعبية. وهذه بالطبع مبالغة كبيرة في التعامل المسرف مع المال لا يمكن إصلاحها أو الوصول إلى حالة التوازن فيها إلا بالمبالغة في التوجه عكس التيار السائد، أي قاعدة «ليس المطلوب أن تنفق قليلا بل المطلوب ألا تنفق أبدا». هذه مقولة قرأتها في مكان ما وليس المقصود بها طبعا حرفيتها، بل قصر الإنفاق على الضروريات التي ينبغي أن يحددها كل شخص ويحاول ألا يتجاوزها بل التقليل منها ضمن خطة مرسومة. وهذه الضروريات قد تكون الطعام والشراب وإيجار السكن ومصروفات الاتصالات والصحة والتعليم والكهرباء. لا داعي لخلاف ذلك مع ترك الانفاق على غير الضروري منها والاعتذار من أي شخص يحاول الاقناع بخلاف ذلك كالسفر وتغيير جهاز الجوال أو السيارة أو تبديل أثاث المنزل من غير ضرورة. هذه أمور يمكن تأجيلها لأوقات لاحقة أو حتى إلغاؤها. فهل من المنطقي الاقتراض من أجل السفر أو من أجل تغيير جهاز اتصال بينما يعاني الواحد منا من عدم امتلاك سكن له؟

ينبغي علينا أن يكون تقليل النفقات نمط حياة وليس مرتبطا بمرحلة زمنية معينة وأن نقوم بترتيب أولوياتنا بحيث لا تطغى عليها الكماليات التي لا تنتهي أبدا في هذا الزمن ذو الإيقاع السريع. كما أنه من الحري بنا أن نقوم بتدريب جميع أفراد الأسرة على هذه الأنماط المعيشية، وهو ما يجب أن يحصل من قبل معاهد التدريب المنتشرة في كل مكان في بلادنا وذلك بوضع برامج تدريبية للرجال وللنساء وللصغار كما للكبار حتى تكتمل منظومة التوفير في الأسرة.

Twitter | @yousefalhasan