آخر تحديث: 28 / 1 / 2020م - 10:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

زمن الذل والهوان والخذلان العربي

أحمد علي الشمر *

لا أعتقد أن تاريخ الأمة العربية الحديث، قد شهد بمختلف عهوده وتعدد حقباته وسنواته التاريخية المنصرمة، لا أعتقد أنه قد شهد تاريخا وزمنا مختلا ومضطربا، سيطرت عليه عوامل الهزائم والاضطرابات والنزاعات والحروب، بعد أن سادته مسببات الفوضى وهيمنت على مفاصله وأركانه، علامات كوامن الانقسام والفرقة والضعف وبوادر الانحلال والانحسار والتفكك الذى بدد قضاياه وأضاع أحلامه، وانهزمت على أثره كل مشروعاته التنموية والاجتماعية والسياسية، حتى انتشرت في ثنايا أضلاعه وأعماقه إحباطات الفشل واليأس والتراجع والتخاذل وإسقاطات أزمات كوارث الإرهاب، وإثارة الفتن والنعرات العرقية والطائفية التي حلت به، عبر مجمل وكل هذه الأحداث والاضطرابات والنزاعات والحروب الدموية المأساوية، التي تشهدها أوضاعه وتعيشها معظم ساحاته..!!

أقول أن هذا الزمن الأغبر، الذى نعيش احباطاته ونشهد مآسيه الإرهابية والدموية، هو بلا أدنى شك.. زمن الذل والهوان والخذلان والفشل العربي..!!

فانظر وقف عزيزي متسائلا.. أين هي مؤسسات النظام العربي التي تتشدق بالشعارات القومية، وأعني في مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرهما من منظمات وهيئات حقوق الإنسان العربية، التي لا تكف عن رفع شعاراتها الإنسانية والوطنية والقومية، التي تهيمن على مضامين مصادر أنظمتها الرسمية والبرتكولية، والتي يصرف عليها المليارات من موازنات الخزانات العربية سنويا.. أقول أين هي هذه المؤسسات مما يدور ويحدث الآن في سماء وساحات وطننا العربي.. لماذا خرست أصواتها وانحسر ضجيجها وغابت وتبددت كل المزاعم والادعاءات حول تحمل مسؤولياتها وواجباتها، تجاه الشعارات الوطنية والقومية والإنسانية التي رفعتها..؟!!

لماذا لا نراها إلا في المناسبات والاحتفالات الاستعراضية، وفى مجرد أوقات بث واستعراض شعاراتها وتقاريرها الإعلامية، التي تسوق عادة من خلال وأثناء تلك المناسبات واللقاءات الإعلامية، التي تروج من قبل منتسبيها وبعض المستفيدين والمنتفعين والمدافعين عن أهدافها..!!

فأين هي تلك الشعارات والمشروعات الإنسانية بمجمل أهدافها وأبعادها الوطنية والقومية، التي أشد ما يحتاجها الوطن والمواطن العربي في هذه الأوقات من أوقات المحن..؟!

فلماذا خف هديرها وغابت أصواتها وانزوت أنشطتها وفعالياتها التي تروج لها، وأصبحت بعد هذا الصمت المطبق، بعيدة عن شعوبها ومجتمعاتها، يخيم عليها السكون ويطبق عليها صمت الأموات..؟!

فكيف غاب فيها صوت العقل والرشاد وانحسر في دواخل أصحابها عنصر الحكمة وتغلبت عليها أنظمة السياسة العربية.. وأصبح انزواء مختلف أهدافها ومشروعاتها ضائعة في دائرة النسيان، عبر هذه الخيارات الغامضة التي تختبئ وراء غيابها وصمتها وانزوائها الاختياري الغريب، والذى بات هو السمة البارزة والعنصر الواضح والمثير لهذا السكوت..؟!

تحدث هذه المفارقات الغريبة العجيبة، لهذا التخاذل المثير من الإسقاطات العربية، وسط محيط هذه الأمواج الهادرة من صخب النزاعات والصراعات الأهلية والطائفية، والحروب العربية العربية.. فيما يستفرد العدو الحقيقي للعرب، بالمواطن العربي الفلسطيني في فلسطين المحتلة، وبما فيها القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لدى جميع المسلمين على وجه الأرض، والتي هي مسرى نبينا الأكرم محمد بن عبد الله ﷺ، والتي مازالت حتى اليوم تخضع أسيرة للاحتلال الصهيوني الإسرائيلي منذ نكسة خمسة من حزيران للعام 1967م، أي منذ أكثر من تسعة وأربعين عاما..؟!!

هذا وبرغم كل الشعارات والمزاعم العربية التي كانت ترفع، خاصة خلال سنوات طفرة الحماس العربي، والتي شهد العرب خلالها حرب 1973م، لتحرير واستعادة الأراضي العربية، وخاصة الأراضي المصرية والسورية، التي احتلتها اسرائيل خلال عدوانها في العام 67م، فبرغم ما حققته تلك الحرب كما هو معلوم وبحسب المعطيات التي ذكرت، حول هزيمة إسرائيل وجيشها الذى لا يقهر كما روجت له إسرائيل خلال تلك الحقبة، وخاصة بعد الانتصار عليها باستعادة بعضا من تلك الأراضي العربية في مصر وسوريا، إلا أن القدس وأراضي الضفة الغربية، لم تكن للأسف ضمن حسابات ذلك المشروع الحربي، والتي بقيت القدس ومعها أراضي الضفة الغربية، إلى يومنا هذا أسيرة وخاضعة تحت براثن الاحتلال الإسرائيلي..!!

وحتى أيضا بعد أن طفت ولاحت على سطح السماء العربي، مبادرة مشروع السلام العربي، الذى كان من المفترض بحسب هذا المشروع، أن تعيد بموجبها إسرائيل، جميع الأراضي العربية التي احتلتها في عدوانها في العام 67م لحضيرة العرب، والتي قتلتها وأجهضتها إسرائيل ذاتها، بممارساتها التعسفية والقمعية، ورفضها للمشروع وعدم انصياعها لكل المواثيق والقرارات والمبادرات العربية والدولية، فلم يجني العرب من إسرائيل حيال ذلك المشروع إلا السراب..!!

وهكذا وجدنا للأسف، أن كل محاولات العرب بعد ذلك وبرغم أيضا تلك الضغوط الدولية، لإثناء إسرائيل عن مواصلة عدوانها ودعوتها للجنوح للسلام وإعادة جميع الأراضي التي احتلتها في العام 67م، قد ذهبت جميعها أدراج الرياح..!!

لتصبح تلك المبادرة بعد ذلك من الذكريات التي عفى عليها الزمن، ومن ثم لتواصل إسرائيل بهمجيتها وممارساتها الدموية المستمرة في الأراضي المحتلة،

قيامها بتعذيب وسجن وقتل أهلها، من رجال ونساء وأطفال، هذا فضلا عن ممارساتها الجائرة باقتحام المسجد الأقصى المبارك..!!

يحدث ذلك وتجري كل هذه الأحداث المأساوية الدامية بكل أسى، تحت سمع وبصر العرب والرأي العام، بعموم أجهزته الإعلامية وهيئاته ومؤسساته العربية والدولية، والتي أصبح الصمت وغض السمع والبصر فيها، هي الإشارات والسمات الواضحة والبارزة تجاه تلك الأحداث، وحتى دون أن يكون لتلك الأعمال والانتهاكات الإجرامية الصارخة، أية بوادر أو أصداء تذكر، أجنبية كانت أو عربية، ممثلة بالخصوص، في المنظمات والهيئات والمؤسسات، وعلى وجه التحديد تلك المؤسسات، ذات الصبغة الإنسانية والوطنية والقومية، وحتى لوكان ذلك بمجرد إدانة واستنكار لتلك الأفعال والممارسات الإرهابية، وسواء كان هذا فيما يحدث في الكيان الصهيوني، أو فيما يجري في البلدان العربية التي تشهد ساحاتها أعمال العنف والإرهاب وقتل الناس على الهوية المذهبية..!!

والمحاولات المستمرة لزرع وإشاعة الخوف والفزع والتهديد الذي يشعر المواطن العربي بفقدان أمنه واستقراره.

نسأله سبحانه وتعالى، بأن يحمي ويحفظ لبلادنا الغالية أمنها واستقرارها، وأن يعيد الأمن والسلام لربوع وطننا العربي الكبير ويجنب الجميع من كل مكروه، والله وحده هو المستعان على ذلك.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»