آخر تحديث: 28 / 6 / 2017م - 7:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المبدعون والسرّاق

الفنان علي الجشي *

بإيقاع هادئ يغمرني الشوق إبحارًا في عوالم «النت» يأخذني لفضاءات مفتوحة.

ذات ليلة وبينما أقلب صفحات «الفيس بوك» انقلبت موازيني، ارتعدت مما أشاهد أصبت بالتوتر وأجفلت مكاني، ذهول أوجعني وألم عصرني، عيني مطربة لا تصدق ما ترى، مشهد صدمني بكل المقاييس، انعقد لساني وانقبضت يداي، واجفلت قدماي، لا أقوى على الحركة كأني شبه مشلول، ما أصابني ليس ألما محسوسًا كي أداويه، بل وجع في القلب، غالبت نفسي بين شهيق وزفير، حاولت أن أهدئ من روعي، بأنفاس بطيئة، التماسًا للراحة، أغمضت عيني مرتميًا في أحضان الذاكرة أخذتني لعالم آخر لعلي أتنفس الصعداء، وجدت نفسي بين ممرات وأمام غرف الذكريات وعلى أبوابهأ كلمات ومفردات، في كل غرفة أقف أمامها أشاهد نفس المشهد، إلى أن وجدت نفسي بغرفة فيها أحد الأصدقاء المبدعين جالسًا منطويًا على نفسه يتحدث بهمس، فسألته: ما بك؟ ولماذا أنت هنا وبهذه الحال؟ فقال لي بصوت خافت وحزين: «سرقت لوحتي»،

لم أنبس ببنت شفة، عاد الضيق والضجر يتلبساني من جديد، على عجل غادرت ذاكرتي المنهكة، سارحًا في حاضري، متأملًا مفارقات السلوك الإنساني، وبين الواقع وثقل الماضي ثمة صور ومشاهد تتكرر بذات السيناريو وإن اختلفت الوجوه والبيئات، لامندوحة عن النزق المستعصي والمستفحل في بعض الأنفس المارقة، وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل زمان ومكان.

المجتمعات بجميع مجالاتها وفنونها لا تخلوا من أناس مميزين يطلق عليهم «المبدعون» وهؤلاء - أعني المبدعين - ينقسمون لقسمين متشابهين في القدرات والأفكار ومختلفين في السلوك والقيم، يتعرضون لكثير من الضغوط والأحداث والملمات، والتي تجعلهم إما فوق قمم الجبال أو على سفوحها، ينشطران لعلو أو انخفاض، قسم يحتويه النور وآخر يقبع في الظل، وتتراقص بينهما وهج الشهرة والمال.

يحدثنا التاريخ عن مشاهد كثيرة ويفيض بإسهاب عن قدرات المبدعين في إصلاح المجتمعات وتطورها أو دمارها أوقهرها، وقبل الخوض في هذا الأمر علينا أن نحدد من هم المبدعين بشكل مختصر، المبدعون ليس من يملكون ملكات في فن ما أو مهارة أو كتابة او اختراع بمستوى عال فقط، بل يزيدون على ذلك توهج الفكر ونبوغ العقل وسداد الرأي وحجة المنطق، والأعجب يصدرون أفكارًا خلاقة مدهشة، لا تخطر على بال أحد، ومع ذلك نراهم بسطاء، يعيشون بين الخيال والواقع في آن، يطرحون استفهامات غريبة تستدعي التفكير وحسابات خارج المنطق، لديهم حساسية شديدة ويمتلكون ذكاء خارقًا وغالبًا ما ينعزلون بعيدًا عن الناس، يمارسون إبداعاتهم وإنجازاتهم لساعات وأيام طويلة.

المبدعون ليس لهم جغرافيا أو مدرسة أو عصر محدد، فهم موجودون منذ الخليقة، وما نقل لنا التاريخ القديم والحديث عن أعلام اخترعوا وطورا وبحثوا وغيروا فهم موزعون بين الشرق والغرب، كابن سينا وابن مقلة وابن الهيثم والخوارزمي وغيرهم من رسل المعرفة والفكر، ومن الغرب أيضًا حشود لا تعد ولا تحصى ومن أبرزهم المخترع «توماس اديسون - 1931 - 1847» بفكره الخلاق وإبداعه الوهاج، استطاع ان يغير العالم باختراعاته في الأبحاث الصناعية والضوئية والتي وصلت إلى 1093 براءة اختراع وكذلك «انريكو فيرمي» و«واطسون وات» و«أنطونيو ميوتشي» وغيرهم كثيرون فاقوا بأفكارهم وإبداعاتهم على سائر الناس، فقد سطرهم التاريخ بحروف من ذهب، لأنهم جعلوا من العالم أكثر حداثة وتطورًا وتحضرًا في نواحٍ شتى من دروب الحياة عبر مجالات علمية ونفعية وأدبية وجمالية.

ونالت الفنون أيضًا حقها من إلهاماتهم، والفن البصري بشكل خاص أخذ نصيبًا كبيرا من الازدهار والانتشار وأصبح علما من علوم الجمال على يد هؤلاء المبدعين، عبر عصور متتالية ومدارس مختلفة كأمثال العبقري «دافنشي» والبارع «رامبراندت»، والمبدع «سلفادور دالي» والملهم «بيكاسو» وغيرهم.

وبالمقابل وجد مبدعون من نوع آخر مختلفون كثيرًا، يمتلكون نفس الخصال والإمكانيات الفكرية والمهارية إلا أنها لا تتوافق أو تتساوي مع الفئة الأخرى بل تملك عقلًا ويدًا قاسية ومعطلة ومحطمة بل مدمرة نحو تغير العالم في اتجاه الجهل والتخلف والقهر بأفكار جهنمية تسلب القيم الإنسانية حقها في العيش المشترك على هذا الكوكب، باختراعات فتاكة تخرب وتدمر أحوال الأفراد والمجتمعات والأوطان.

بالمقابل هناك مبدعون لكنهم «سرّاق» وفي عصرنا الحاضر كشف الستار عنهم أخذو يبتكرون ويخترعون أفكارًا ملتوية في سرقة جهود المبدعين الحقيقين بطرق وإمكانيات محترفة في النسخ واللصق وسرقة الأفكار الفنية

واستنساخها وتزويرها بطرق ملتوية، أو سرقة تقنية سباقة أو بصمة فردية لمبدعين حقيقيين كاللوحات الفنية لا تستطيع كشفها إلا بوسائل وأجهزة حديثة «أشعة تحت الحمراء - فوق البنفسجية». وهؤلاء السرّاق ليسوا سوى منتحلين للإبداع والأذهى والأنكى أنهم يمتلكون قدرة عالية في التقليد، ولديهم خبرة ودراسة ومهارة وشطارة من مكر وخبث في السطو على أعمال الغير، ويستطيعون نسخ ذات الأسلوب وجوهر الفكرة ونفس الموضوع، ويقدموا أعمالا تشكيلية موقعة بأسمائهم وهذا مكسب لذات السارق، أو مهرها بأسماء مشاهير عالميين بغرض المكسب المادي.

السرًاق المبدعون وبسبب جرائمهم المستمرة وجهت إليهم الكثير من التهم والمحاكمات باقترافهم هذا الجرم الفني وتم فضحهم قضائيًا بعد كشف العديد من اللوحات العالمية المزورة وحوكم البعض منهم وأودعوا السجن كأمثال «فولفغانغ بيلتراتشي» الألماني بتزويره 14 عشرة لوحة فنية وبصفقات تصل ل16 مليون يورو لأكثر من ثلاثين عامًا. وكما نوهت سابقًا فالسرّاق ليس لهم أرض محددة، وفي عالمنا العربي لم ينجُ من فعلهم بسبب تزايد الطلب على الشراء والاقتناء.

ونهاية حكايتي التي ليست غريبة على العارفين بهذا الشأن، إنما أحب أن أوضح بأن المهارة لها وجهان إما حق أوباطل وسوف ينكشف الباطل وإن طال الزمن، كم هو جميل أن تؤمن بقدراتك وتبحث عن نفسك دون خداعها بالغش والاحتيال، وبراحة بال ممتن لهوايتي في عالم التشكيل التقليدي، وأمارس إنحيازي للفن الرقمي وأقوم بإنجاز لوحات متنوعة ومتجددة وأسهم بنشرها يوميًا على صفحتي وعبر الواتس بهدف إكساب من لديه الرغبة والطموح لرؤية جمالية لأعمالي الفنية أو لنتاجات الآخرين. وارتياعًا للدهشة الغير متوقعة في تلك الليلة الصادمة حينما شاهدت ذلك العمل المنتحل لعملي عبر شاشتي المتواضعة حيث وجدت لوحتي معروضة كبضاعة لعين المشترين، فعلها أحد السرّاق ليس بتزوير توقيعي إنما بنسخ عملي تمامًا ومطابقًا للفكرة واللون والتكوين تمامًا، «الحافر على الحافر» والأدهى والأمر بأنها معروضة للبيع وبسعر مغرٍ وعلى يد المصمم الناسخ السارق؟ وقد سبق هذا الحدث أن وجدت عملي في أحد المعارض نسخة طبق الأصل في مساحة لوحة تشكيلية!.

حقيقة أنا لا أريد ان أكون قاسيًا بالتشهير والنيل من أحد أو فضح من الذي استنسخ أعمالي بغير وجه حق، أملي أن يعود إلى رشده وفي نفس الوقت يدي ممدودة لأعينه لتوليد الأفكار بطرق مساعدة وأعلمه كيف يمكن أن يخلق عملا فنيًا مبتكرًا، وهدفي هو نشر الوعي الفني والثقافي للمجتمع وبث الثقافة المهنية مع التأكيد على حفظ الحقوق الأدبية ومراعاة قيمها الفنية التي يجب أن نتعلمها قبل ممارسة الفن، والاستئذان المسبق بطلب نسخ العمل أو الفكرة أو جزء منها، هو من القيم الأخلاقية للمتعامل ضمن مضمار الفن، فالفن ليس قالب يحكمه قوانين صارمة، فاللوحة عناصر من التكوين المتنوع وفهم فلسفة جمال الصورة، عندها من خلال الممارسة يتحقق الكثير والكثير، وحتى إن وجدت عملًا تريد أن تصنع مثله يمكن أخذ بعض الشيء ووضع البصمة الخاصة بك ولا ننسى إن كان العنصر ملتقطًا علي يد مصور لابد من الاستئذان وأخذ القبول من راعي المنجز، وأن تعذر ذلك يجب ذكر صاحب اللقطة فهذا حق من حقوقه.

ونصيحتي للسرّاق الطيبين بما أنكم تملكون كل هذه الحرفية والقدرة الهائلة على النسخ بإتقان تخاتل الأعين بين الأصل والمقتبس، أنصحكم بأن تثقوا بقدراتكم وأن تشعلوا فتيل أفكاركم وابحثوا عن دواخلكم نحو التميز، إنكم تملكون المهارة والبراعة، وجهوها الوجهة الصحيحة ولا تجعلوا الشهرة المتسرعة الزائفة وبريق إغراءات المادة الكاذبة تسلب منكم الابداع الحقيقي، وتعيشون في وهم الأناء الفارغ. لو علمتم أن مئات بل آلاف من الناس يحلمون ويتمنون ان يمتلكوا جزء مما تمتلكون، ثقوا بقدراتكم ووضفوها نحو الخير والجمال.

أخيرًا يدي ممدودة للخيرين، وتنفر من أيدي السراق المنتحلين.

نائب رئيس جماعة الفن التشكيلي بالقطيف