آخر تحديث: 24 / 8 / 2017م - 1:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعبئة الروحية لليلة القدر

هل نحن مهيأون لاستقبال هذه الهبة الربانية، فنقف بين يدي الرحمن بقلوبنا بكل صدق نبدي التذلل والخوع والانكسار، فتهب دموع الندم على ما مضى منا من خطايا وتقصير، أم ما زلنا ونحن في أواخر الشهر الفضيل على حالة النفور الروحي والتكاسل، فلا يبدو منا في محجر المناجاة سوى تمتمة وكلمات يغيب عنها الوجدان والقلب الساهي الغافل؟

ما ورد في الروايات الشريفة من تبيان وتفصيل لحقيقة ومكانة ليلة القدر الشريفة، والتي يتضاعف فيها ثواب الأعمال الصالحة فيها لأكثر من ثواب عبادة ألف شهر، فأي حافز وتشجيع يجده المؤمن لرفع همته أكثر من هذا، ففضاء الهبات والجوائز في هذه الليلة غير محدود، فلينطلق نحو محراب ليلة القدر لينهل من معينها ما يكامل نفسه ويهذبها، فيتزود من الورع والحجزة عما يغضب الله من إتيان المنكرات.

أولى الخطوات التعبوية للولوج في نورانية ليلة المغفرة والصفح الإلهي الواسع لعباده العصاة، هو محاسبة النفس والتأمل في ذواتنا وما نحن عليه من سلوكيات وتصرفات، لنقف أمام مرآة النقد الذاتي نتفحص من خلالها نقاط ضعفنا والمنعطفات التي أسأنا فيها لأنفسنا بارتكاب الخطايا والإصرار على إتيانها، فمن تحلى بالمراجعة الذاتية الدائمة استطاع أن يصلح حاله ويصوب مسيرته إن انحرفت يوما، فالنفس في جماحها وتمردها كالنبتة الصغيرة المائلة، فإن تركها صاحبها هكذا حتى تكبر ويتطاول ساقها، فستزداد ميلا وانحرافا بما لا يروقه ويريحه، فليس من المعيب أن نقف على قائمة من أخطائنا ونعزم على تصحيح الواقع فيها دونما مكابرة أو تزمت، فالتراجع عن الخطأ من صفات أهل الفضل.

ليلة القدر يستقبلها المؤمن بتحمل مسئوليتها ومتطلباتها التهذيبية، فأفضل الأعمال الممهدة لمقبولية الأعمال والمناجاة في تلك الليلة هو الورع عن محارم الله تعالى، فيغض بصره ويكف لسانه وبقية جوارحه عن التطاول والعدوان على الآخر، ويغالب انفعالاته المسببة لسوء التعامل والخلق والصراخ والتلفظ بما لا يليق، فهذا هو الأثر التغيري الحقيقي المرجو من مخرجات تلك الليلة المباركة.

والمناجاة في تلك الليلة الفضيلة ليست تردادا لألفاظ يغيب عنها وجداننا، فتلك المعاني الراقية والمضامين العالية لأدعية المعصومين الأطهار ترسم معالم الطهارة والنقاء الروحي، فالتفاعل معها تأملا وتدبرا يولد حالة الانكسار والتذلل بين يدي الرب الجليل، ويسكب دموع الندم على التفريط والتقصير، فيستشعر الطمأنينة بالقرب من الله.

ويحضر انتظار فرج آل محمد صاحب الزمان في تلك الليلة بشكل قوي ولافت، فليكن له حظ من دعائنا له بالعجل والنصرة على أعداء الله، وتجديد العهد معه بالتزام معالم التقوى التي يتحلى به رجاله وأنصاره والممهدون لنهضته الإصلاحية الكبرى.