آخر تحديث: 22 / 10 / 2017م - 5:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأخلاق أزمة قانون ومنهج

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

أختلف مع المعري في بيته القائل «العلم يرفع بيتا لا عماد له - والجهل يهدم بيت العز والشرف» واتفق بنسبةٍ ما مع الغزالي في بيته «لَو كانَ لِلعِلمِ دونَ التُقى شَرَفٌ - لَكانَ أشرَفُ خَلقِ اللهِ إبليسُ»، الفكرة هنا هي أن الإنسان يتكامل بالعلم الذي يضيف إلى سلوكه جانبا إنسانيا خيّرا ينفع به المجتمع في حين لا يكون للعلم ذات القيمة حينما لا يفعل ذلك، هذا الحديث يحيلنا للحديث حول علم مهم وهو «علم الأخلاق» وأثر هذا العلم في بناء الإنسان الحضاري والمنتج.

لِعلم الأخلاق تعاريف كثيرة تتفق في مجملها على أنَّه العلم الذي يدعو لفعل الخير والابتعاد عن الشر، ويعتبر هذا العلم من العلوم المعيارية التي قد تختلف عليها الأُمم والديانات، فما تعتبره أمةٌ ما خيراً قد تعتبره الأُخرى شراً، ولكن مع ذلك فإنَّ القواسم المشتركة بين تلك المعايير كثيرة، أهمية الحديث حول هذا الجانب هو أنَّ الدول والحكومات ربما تكون قادرة على فرض قوانين صارمة على مواطنيها، ولكنها لا تملك أن تفرض ضميراً إنسانياً أخلاقيا يدفع الإنسان دائما لفعل الخير وترك الشر، لا سيما حينما تختفي القيود أو جزء منها، من هنا وجب أن تكون هناك - بالإضافة إلى القانون - بوادر لصناعة الأخلاق الفاضلة من خلال مجموعة من القنوات التي أحدها التعليم، من خلال وضع منهج دراسي واضح لذلك، فحينما نتكلم هنا عن علم «الأخلاق» أو علم «العادات» فإننا نتحدث عن معانٍ محددة للصدق والأمانة والشجاعة والكرم والحلم والشرف وغيرها، كما نتحدث أيضاً عن معانٍ محددة للكذب والخيانة والغدر والجبْن والبخل والطيش، الجهل بهذه المعاني من جهة ووجود الدوافع التي تدفع للشر والفساد من جهة أخرى علاوةً على ضعف القانون، هي الأسباب الأبرز في تبوّء بلداننا العربية والإسلامية تصنيفاً متراجعاً في الدول الأقل فساداً في العالم، وهذا ما ينبغي أن يكون دافعاً لصناعة أسباب علمية تحول دون ذلك، وأحد تلك المقترحات هو صناعة منهج دراسي لهذا العلم.

النزعات الشريرة والمتطرفة الموجودة لدى نسبة من أبناء مجتمعاتنا الإسلامية يُعلقها بعضهم على المناهج الدراسية، وهذا كما أراه غير دقيق في إطلاقه، المعلم - بصفته أحد مكونات المجتمع - يملك قدرة التأثير الإيجابي والسلبي على الطلاب حتى وإن كان المنهج الذي يُدرِّسه هو التربية البدنية أو الفيزياء، فالقضية من جهة مرتبطة بمكونات البيئة المختلفة، ومن جانبٍ آخر بعدم وجود مناعة ضد الأفكار السلبية والسيئة نتيجة عدم إدراك نسبة ربما تكون ليست قليلة من أبناء المجتمع بالمعاني الحقيقية للقيم والأخلاق والعادات الطيبة، هذا النمط من التعليم ينبغي أن تشترك في تحقيقه الأُسرة، المعلم، الواعظ وكل مثقف واع، معيار النجاح والفشل في صناعة مجتمع الأخلاق هو الجانب السلوكي للناس، تفاعل هؤلاء مع القضايا المختلفة ولغة الخطاب السائدة بينهم ومستوى الإيمان الحقيقي بأحقية الجميع في الرأي تكشف عنها بوضوح آراؤهم المكتوبة ولغتهم السائدة، وحينما تكون تلك الآراء واللغة هابطة فإننا بالتأكيد نعيش خللاً مهما في هذا الصدد وينبغي تصحيحه.