آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

أولاد حارتنا

سلمان محمد العيد

لقد شاءت الاقدار قبل أيام بأن اقرأ رواية «اولاد حارتنا» للروائي العربي الحائز على جائزة نوبل للأدب نجيب محفوظ، وكنت مدفوعا ب ”خلفية“ عن الرواية بأنها تتضمن إساءة إلى الله جل شأنه، كذلك الأنبياء والمرسلين، وهذا  كما سمعت وقرأت  بأنها سبب لإيقاف نشر وتوزيع الرواية من قبل الأزهر الشريف.. قرأتها لأني لم أقرأها من قبل، رغم اطلاعي على العديد من المقالات التي دارت حول الرواية، منذ زمن ليس بالقليل، وكنت أحاول أن أقرأ الرواية فلم استطع ذلك حتى قمت بتنزيلها من الشبكة العنكبوتية.

وخلال قراءتي للرواية انتابني شعور أولي بأنه لو لم تكن تلك الضجة التي صاحبت الرواية خلال صدورها في الستينيات لم يكن يخالجني شيء من الشك في شخص «الجبلاوي» وهو الشخصية الأبرز في الرواية، ولا يمكن أتصور بأن الكاتب يقصد به الله جل شأنه، فالكاتب يورد وبصورة متكررة ودائمة ما يوحي بأنه من جنس البشر، وإن كان عظيما وغائبا عن الأنظار، فهو جد وأب ابناء الحارة، حتى أنه مات حزنا على قتل خادمه، ولديه ولد فاسق وحفيد ابن سفاح، وكل هذه الصفات خاصة بالبشر، ولا يمكن لمسلم  وإن كان فاسقا  أن يلصق تلك الصفات بالمولى جل شأنه.

وفي حال أن الكاتب قصد أن الجبلاوي هو الله جل شأنه، فلا مجال في إن الكاتب قد دخل دائرة التعريض بالله جل شأنه ونسب عدم العدالة له عز وجل، فضلا عن جعله عرضة للموت والحياة، ولم يحدث التفريق بينه وبين أي واحد من البشر، بعيدا عن كونه ظالما.. تعالى الله عن كل ذلك علوا كبيرا..

وبالنظر إلى تفاصيل القصة، يمكن التوصل إلى هذه النتيجة  بكل أسف  فالكاتب استفاد من قصص الأنبياء «آدم، وموسى، ومحمد، وعيسى، وشعيب» عليهم الصلاة والسلام، وقدم أحداثا هي صورة طبق الأصل بقصص الأنبياء، وإن لم يذكرهم بالاسم أو بالإشارة، وهذا الأمر واضح بشكل جلي في قصة آدم، وقصة موسى، وقد اطلق إسم ”أدهم“ على أنه آدم، و”إدريس“ على أنه ”إبليس“ ويوجد تقارب في الأسماء، والحال نفسه بالنسبة لقصتي موسى ومحمد «عليهما الصلاة والسلام»

وقد حاول الكاتب التحوير بعض الشيء في القصص كما أجرى تغييرا في الاسماء فالنبي ”موسى“ اسماه ب ”جبل“، والنبي ”محمد“ سمي ب ”قاسم“، و”إدريس“ الذي يفترض أنه الشيطان الذي عصى الله نجده في الرواية ”ابن“ الجبلاوي، بل هو الإبن الكبير ذوي الأصول الأفضل من ”أدهم“ الذي كلفه والده بالأشراف على البيت الكبير، كما قام هذا الابن العاق بدور شيطاني في التفريق بين أدهم والجبلاوي، «وهو الدور نفسه الذي قام به إبليس في القصة الحقيقية»، وكلنا يعلم بأن الشيطان الرجيم هو من الجن فسق عن أمر ربه.. وإذا كان آدم في القصة الحقيقية هو اصل البشرية خلقه الله من طين ونفخ فيه من روحه، فإنه في الرواية ابن الجارية السوداء.. فهل يمكن القول بأن الكاتب أراد بذلك القصة الحقيقية وعرضها بطريقة أدبية؟! أم أن الأمر ينطوي على تشويه للحدث نفسه وللأشخاص أنفسهم؟

والنقطة الثالثة، أجد أن بعض الحوادث التي جرت للأنبياء يمكن أن تحدث لبني البشر الآخرين، بالتالي فإن تعرض بعض الحوادث في عمل أدبي بأسماء مختلفة، وبصيغ ونتائج مغايرة، وإن كانت متشابهة بعض الشيء فهذا لا يعني أن هذا العمل الأدبي يسعى للتشويه والنيل من الذات الإلهية ومن الأنبياء أنفسهم، ولا يسعى لإصدار قصص الأنبياء بصيغة غير علمية.. وفي موروثنا الشيعي  وحسب نقل العديد من الخطباء  أن القاسم بن الإمام موسى الكاظم فرّ هاربا من جحيم الحكم العباسي وقع في موقف يشبه موقف النبي موسى ، إذ رأى فتاتين وسقا لهما، وحل ضيفا فيما بعد على والدهما وعمل عنده وتزوّج واحدة من بناته، إلى أن توفي ولم يعرفوا إسمه وإسرته إلا يوم وفاته.

بالتالي فمن المنطق  من حيث المبدأ  النظر للرواية بنظر ما نشر في الرواية والتي تروي الصراع بين الخير والشر، لا ما نشر عن الرواية من كونها تنطوي على تشويه لصورة المولى جل شأنه والأنبياء ، وهذا من الصعب قوله وقبوله من أي كان،

ولكن...

ما جرى في الرواية بكل أسف، هو عرض بعض الحوادث الواقعية قريبة الشبه بنسبة كبيرة جدا بما حدث في التاريخ، كالتي جرت مع النبي موسى ، من قبيل قتله لواحد من شيعة فرعون، وهروبه من مصر والتقائه بالفتاتين عند البئر، وانتقاله إلى والدهما «وهو النبي شعيب في القصة الحقيقية»، فأطلق على النبي شعيب اسم ”البلطيقي“، وقبل ذلك قصة آدم وأنه انجب ولدين «هابيل وقابيل» واسماهما «قدري وهمام» أحدهما قتل الآخر. وقام الكاتب بعملية ”فبركة“ أدبية بمهارته وخبرته وتغيير الأسماء والمواقع، كما أجرى تحريفا في الحوادث وأسبابها، مبتعدا كل البعد عن أن الأنبياء لم تنطلق رسالاتهم الا من أجل شريعة الله، وإحكام حكم الله، والدعوة للعدالة والحرية، وكل هذا مما لا يقبل الرمزية والتحوير، بأن يرمز لها بأنها مقاومة للثعابين والعقارب!!

وقد حاول الكاتب الراحل الابتعاد عن القضايا الدينية في عرضه القصص، لدرجة ان ذكر لفظ الجلالة في الرواية محدود للغاية، وسعيه لأن تكون الرواية في واحة أو منطقة مصرية بحتة «صحراء المقطم»، وإيراد حارات وكلمات وعبارات ومواقف مثل الفتوات ووضع المقاهي وتعاطي الخمر والحشيش وما إلى ذلك.. لكنه لم يكن ليهرب من مخالفة وجريمة تقديّم حياة الأنبياء بصورة مشوّهة، فضلا عن نسب صفات لله جل شأنه لا تليق بعظمته كالأبوة والظلم والموت!!

وقد خلص في آخر روايته في جعل السحر وما انطوى عليه كتاب السحر من معلومات هامة لإنقاذ البشرية، والكاتب  في هذا الشأن  أراد القول بأن الحل للبشرية ليس الدين فقد انتهى «فالجبلاوي مات»، وانتشرت الفتنة وتضخّم دور الفتوات، وإنما العلم الذي يقوم بدور السحر في تغيير حياة البشرية، كونه الذي يرسخ الحب والتعاون ويحد من خضوع العامة لسلطة الفتوات.

هذا ما خرجت به من الرواية، بعيدا عن الجوانب الأدبية فيها فيكفي أن كاتبها نجيب محفوظ!!

اللهم لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا.