آخر تحديث: 22 / 10 / 2017م - 5:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الطموح في منهج الإمام الحسين (ع)

الشيخ حسين المصطفى

قد يخلط كثير منّا بين ما هو ديني وبين ما هو إنساني عام، وقد يختلط على المسلم بين تقديسه للقرآن، وبين اعتقاده أنه يغني عن كلِّ شيء من جهة أخرى، فينسب إليه أموراً ليس من مهمته.

فليس من مهمة القرآن، أن يرفع الهوان عن قوم لا يستخدمون أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم؛ إذ ليس من شأن الكتاب الهداية القسرية، إلا أنّ بعض البشر، يزيدهم هذا الكتاب ضلالاً ولا يزيدهم هدىً.. قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراًالبقرة: 26، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْفاطر: 18، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَيس: 11. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَيس: 70.

وهذه حقيقة علينا أن نفهمها جيداً، وهذا لا ينقص من قدر القرآن الكريم.. وعلينا أن نكرر هذا، حتى لا يُفرض على الكتاب ما ليس من شأنه. ولهذا نجد كثيراً ممن يخلطون، يظنون أنّ القرآن لم يقم بمهمته. ويقعون في هذا الخلط من دون شعور منهم. فهذا الغموض، وهذه الفرضيات التي فرضناها، توهمنا أنّ الكتاب، لم يؤدي المهمة التي ظننا أنه ينبغي أن يقوم بها. وهذه منطقة زلقة يقع فيها الكثير من الالتباس.

فالمسلم هو الذي يكمن فيه الداء، حيث فقد الاستفادة من الكتاب؛ وذلك لفقدانه العلم والتجربة الحقيقية، لا لأنّ الكتاب لم يعد فيه ما ينفع. فلا يجوز أن نحمِّل الكتاب ما ليس من شأنه.

الطموح والسعي:

من المفردات التي قد تأخذ جانباً سيئاً في أذهان كثير من المتدينين مفردة «الطموح».. في قاموس ”مقاييس اللغة“ يقول ابن فارس: ”الطاء والميم والحاء أصل صحيح يدلُّ على علوٍّ في شيء. يقال طَمَحَ ببصرهِ إلى الشيء أي علا. وكلُّ مرتفعٍ طامح“.

من هنا نرى أنَّ الطموح هو السعي للارتفاع أو التقدم للأمام عما عليه الشخص بالفعل، وهو عبارة عن عدة صفات وهي: الإصرار، والعزيمة، وعدم اليأس، والصبر، ودقة تحديد الهدف، والتخطيط.

فالطموح هو امتلاك الحافزِ لبلوغ القوَّة، سواء كانت قوة نفسية أم مادية أم سلطوية أم عاطفية أم اجتماعية.

بل الأنبياء الكرام بكل ما لديهم من تسديد رباني يحتاجون إلى هذه القوة في نفوسهم. فالطموح والمبادرة هي صفة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِص: 45. وعن مولانا الحسين ، قال رسول الله ﷺ: ”إِنَّ اللهَ تَعَالَى: يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُوِر وَأَشرَافَهَا، وَيَكَرهُ سَفْسَافَهَا“ «سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: ج 1 ص 348 حديث 1890».. فالهمّة العالية تعني أن يحمل الإنسان بين جنبيه إرادةً قويةً وباعثاً محرِّكاً لإنجاز الأعمال، متحدّياً كافة العقبات والعراقيل، رافضاً للاستسلام والخنوع. فالهمة العالية لا تعرف التسويف، ولا تقبل بالأعذار، ولا تُلقي باللوم هنا وهناك، ولا تتنصل عن عمل مهم، ولا تعرف لنفسها حدوداً؛ بل هي كما يقول الإمام الباقر : ”ولتكن همّتك لما بعد الموت“.

ولهذا جاء على لسان يوسف النبي ، حينما قال للملك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌيوسف: 55.. فعلى ضوء هذا فالمؤمن ليس سلبياً، وليس انطوائياً، وليس منهزماً، ولا يهرب من موقع مسؤليته، وخاصة في كلِّ عمل فيه نفع لمجتمعه، وأُطْلِقَت فيه يده فينبغي أن يقبل به ولا ينزوي، كما هو الحال مع النبي الكريم يوسف ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَيوسف: 56. أما إذا كانت يده مطوَّقة، وكان أداةً فقط، من دون نفع، فينبغي أن لا يقبلها.

الطموح عند الإمام الحسين:

لقد رفض الإمام الحسين الاستسلام بالبيعة ليزيد بن معاوية، وقد فسَّر رفضه في رسالة صريحة إلى رؤساء وأشراف البصرة: ”أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمداً ﷺ على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلّغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا، وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإنّ السنة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله“ «تاريخ الطبري: ج 4 ص 159».

وبنفس الصراحة والقوّة يرفض البيعة ليزيد بن معاوية، ويقول موضّحاً للوليد ابن عتبة حين كان والياً ليزيد: ”إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد فاسق فاجر، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله“ «الفتوح: ج 5 ص 14، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 184».

لقد عزم الإمام الحسين على رفض الصلح بكل مستوياته؛ لأنّ المرحلة التي كان يتحرك فيها، لا تستجيب لأية مصلحة إسلامية في الصلح، خلافاً للمرحلة السابقة التي عاشها مع أخيه الإمام الحسن في حربه مع معاوية، وهذا مما يجعل من مسألة النتائج الخطرة أمراً طبيعياً جداً.

وهذا ما نقرأه في خطابه الذي بدأ به مسيرته: ”أيها الناس إن رسول الله قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً بعهده مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء القوم قد تركوا طاعة الرحمن ولزموا طاعة الشيطان وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأنا أحق من غيّر“ «تاريخ الطبري: ج 3 ص 307».. إذن الإمام الحسين لم ينطلق في حركته من خصوصيات خفية لا يعرفها المسلمون معه؛ لأنّ القضية هي قضية الإسلام، ولذلك فإنّ ينطلق من قضايا الإسلام وعناوينه التي يشعر المسلمون معه أنهم معنيّون، ومسئولون عنها،

لا من خلال الطاعة العمياء للإمام الذي تجب عليهم طاعته.

الإمام الحسين بين الطموح والطمع:

لم يتحرك من أجل طمع الملك، كما قد يشير إليه بعض المتوهمين، وإن صدر منه التصريح بمن هو أحق بالخلافة في أكثر من موطن:

 قوله لوالي المدينة، حينما رفض بيعة يزيد بن معاوية: ”... ولكن نصبح وتصبحون، وننتظر وتنظرون، أينا أحق بالخلافة“ «الكامل في التاريخ: ج 3 ص 246».

 ما نقرأه في خطابه الذي بدأ به مسيرته: ”... وأنا أحق من غيّر“ «تاريخ الطبري: ج 3 ص 307»..

 ما كتبه في رسالة صريحة إلى رؤساء وأشراف البصرة: ”أما بعد، فإنّ الله اصطفى محمداً ﷺ على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلّغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته، وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه...“ «تاريخ الطبري: ج 4 ص 159».

لقد أبان الإمام الحسين ، عن نهجه أنه كان في حالة إصلاحٍ للواقع كلِّه، وهذا يقتضي إسقاط القيادة الحالية، على أن يكون هو القيادة؛ لأنَّ الإمامة «القيادة الشرعية المعصومة» لا تجوِّز للقائد أن يستقيل؛ فالقضية ليست مربوطة به.. فلا إشكال في أنَّ الحسين كان يطلب الحكم لإقامة الحق ولهدم الباطل.

لقد رأى الإمام الحسين في المرحلة التي عاشها بعد غياب جده وأبيه وأمه وأخيه، أنه المسؤول عن كلِّ الرسالة التي حملها مَنْ قبله، وأنَّ عليه أن يعطي كلَّ شخصيته للرسالة، كما كان أبوه ، عندما انطلق في جهاده، وقال لربّه وهو يدعو: ”اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ“.

وهكذا وقف الإمام الحسين ، وهو يحمل الرسالة ليقول للناس: ”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي أصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين“.

وكأنه يريد أن يؤكد فينا هذه المسؤولية في كلِّ موقع يفسد فيه الواقع الإسلامي، على مستوى السلوك، أو على مستوى السياسة؛ لأنَّ مسؤوليّتنا جميعاً هي أن نصلح المجتمع، وذلك هو شعار الأنبياء فيما حدثنا الله سبحانه عن نبيه شعيب عندما قال لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ هود: 88.

يقول الإعلامي الأمريكي لويس بويد: ”من طبيعة الإنسان أنه يحب الجرأة والشجاعة والإقدام وعلو الروح والهمّة والشهامة. وهذا ما يدفع الحرية والعدالة عدم الاستسلام أمام قوى الظلم والفساد. وهنا تكمن مروءة وعظمة الحسين . وأنه لمن دواعي سروري أن أكون ممن يثني من كل أعماقه على هذه التضحية الكبرى، على الرغم من مرور 1300 سنة على وقوعها“ «دائرة المعارف الحسينية: ج 1 ص 269».

نعم، عندما نفكر كثيراً في شيء ما، ونريد الحصول عليه، فإننا بذلك نوجد كافة المبررات للحصول عليه، وخاصة إذا كان الطمع هو رائدنا في هذا الاستحواذ. فالطمع عدو قاس، يعد بالرخاء، لكنه لا يجلب إلا النهايات المؤسفة. ومن عواقب الطمع أنه يفقدنا القدرة على تمييز الكفاية، إذ يشوش على تفكيرنا، حتى يصبح ما هو كاف ليس كافياً.

افتح عقلك وقلبك؛ لتجيب على هذين السؤالين:

هل تفكر في اقتناء المزيد من الأشياء، أم في تسوية نزاع بين طرفين متخاصمين؟

هل تخطط لامتلاك المزيد مما لديك، أم للمزيد من التأثير في القلوب؟

إذا فتحت عقلك وقلبك ستجد أنَّ «القناعة» هي الجسر الذي ننتقل عليه من الطمع إلى الطموح.

إنَّ في داخل كل منا جوع وعطش نحو التقدم والازدهار، وهذه رغبة صائبة، حتى تكون حياتنا أفضل. فالطموح طاقة إيجابية وضعها الله في الإنسان لكي تستمر عجلة الحياة في التقدم.. ولولا وجود الطموحين المكافحين المبدعين، لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

إذاً، الإنسان الطموح هو الذي يرغب في الزيادة المستمرة، ولا يكتفي بما هو فيه، بل يسعى ويطلب المزيد، عن جدارة يستحقها وللخير العام الذي يهدف إليه.

إنَّ الإنسان - على خلاف المخلوقات الأخرى - هو القادر على التخطيط لحياته ومستقبله ومصيره بنفسه، والله سبحانه قد وهبه كل الإمكانيات التي توصله إلى أهدافه وطموحاته وأمنياته. مهما كانت هذه الأهداف بعيدة وطموحة، كبيرة أو صغيرة، مادية أو روحية، سامية أو دنيئة، على مستوى نفسه أو مجتمعه أو عالمه، والله يقول مؤكداً هذه الحقيقة: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَاإبراهيم: 34.

وهذه الآية تشير إلى قانون موضوعي، وهو خط علاقة الإنسان بالطبيعة، وهذا الخط يواجه مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة، وذلك لتمرد الطبيعة وعصيانها عن الاستجابة للطلب الإنساني!!

والحل الموضوعي لهذا التناقض يكمن في قانون موضوعيّ، وهو التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة بشأن الطبيعة، فكلما ازداد الإنسان خبرة بلغة الطبيعة وقوانينها ازداد سيطرة عليها، وكلما ازداد ممارسة في مجالها ازداد خبرة بقوانينها. وهذا القانون بنموِّه وتطبيقاته التاريخية يعطي الحلول التدريجية لهذه المشكلة.

فكلمة ﴿سَأَلْتُمُوهُ لا تعني السؤال اللفظي الذي هو الدعاء، لأنها تتكلم عن الإنسان ككل، الذي يؤمن والذي لا يؤمن.

فعليك قبل أن تجرف مطامعك أن تقتنع بما عندك، وأن تتذكر دائماً أنَّ القناعة ضد الطمع، والفارق بينهما نكتشفه من خلال الإجابة على السؤال: هل نطلب مجد الأرضيات أم نطلب مجد أنفسنا وذواتنا في محبتنا للآخرين؟! ‏

يقول جلال الدين الرومي: ”إنَّ الطمع حجاب صفيق؛ يُصمُّ الطمع الأذن عن الاستماع، ويُعمي الغرض العين عن الاطلاع“.

ويقول مولانا أمير المؤمنين : ”ما هَدَمَ الدّينَ مِثْلُ الْبِدَعِ، وَلَا أَزالَ الْوَقارَ مِثْلُ الطَّمَعِ“.

التوازن بين الحاجات والمصالح:

قيمة الإسلام أنه جاء في تشريعاته ومفاهيمه من أجل أن يعمِّق للإنسان إنسانيته، وأن يحقق له طموحه في الحياة من خلال التوازن بين حاجاته ومصالحه؛ حتى لا تطغى عليه حاجاته وتسقط مصالحه الحقيقية.. فالإسلام يفتح للإنسان أبواب الحياة؛ فليس هناك أفق مغلق على الإنسان بحيث لا يمكنه اقتحامه..

ففي العلم: ليس هناك علمٌ محرَّم. قال الحسين : ”الْعِلْمُ لِقاحُ الْمَعْرِفَةِ“.

وفي التجربة: أُمرنا أن ننطلق لنكتشف الحقيقة من خلال التجربة؛ لأنّ بعض الحقائق لا نستطيع أن نكتشفها بالتأمل؛ يقول الحسين : ”طُولُ التَّجارُبِ زِيادَةٌ فِي الْعَقْلِ“.

وفي السلوك: أُمرنا أن نعيش مع الإنسان الآخر بسلام، فالحرب إنما تنطلق ضد الذين يفرضون الحرب على الإنسان ويريدون أن يصنعوا له المأساة. يقول الحسين : ”إِنَّ شيعَتَنا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ كُلِّ غَشٍّ وَغِلٍّ وَدَغَل «خداع»“.

وفي التربية: أُمرنا أن نتحرك - في خط السلوك - لتكون لنا خصائصنا الفردية التي تحمي شخصيتنا، كما تحفظ لنا خصائصنا الاجتماعية. قال الحسين : ”مَا مِنْ شيعَتِنا إِلاّ صِدّيقٌ شَهيدٌ“. قال: قلت: جعلت فداك، أنّى يكون ذلك وعامّتهم يموتون على فراشهم؟! فقال: ”َما تَتْلُو كِتابَ اللهِ في الْحَديدِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ“.

ولا بد للإنسان إذا أراد أن يعيش الإسلام، أن يجمع في شخصيته العناصر التي ترتكز عليها: العقيدة، والتي ترتكز عليها المفاهيم «التصور»، والتي ترتكز عليها السلوك «الحركة».

ولذا تلاحظ أنَّ خصوم الإمام الحسين أول ما يثير انتباههم فيه شخصيته الفذة، يقول عصام بن المصطلق: ”دخلتُ الكوفةَ، فأتيتُ المسجدَ فرأيتُ الحسينَ بنَ عليٍّ جَالساً فيه، فأعجبني سَمْتُهُ ورُواهُ...“ «تاريخ دمشق: ج 43 ص 224 حديث 5078».

وهذا التوازن يخبر عنه الإمام الحسين في جملة من النصوص:

 ”ثَلاثُ خِصالٍ مَنْ كُنَّ فيه استَكمَلَ خِصالَ الإيمانِ: الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ ولا بَاطِلٍ، وإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ، وإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعاطَ ما لَيس لَهُ“.

 سُئِلَ : مَا ثَباتُ الإِيمانِ؟ فقال: ”الوَرَعُ، فَقيلَ لَهُ: مَا زَوالُهُ؟ قَالَ: الطَّمَعُ“.

 ”مَثَلُ الَّذِي يُصِيبُ الْمَالَ مِنَ الْحَرَامِ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ إِلَّا كَمَا يُتَقَبَّلُ مِنَ الزَّانِيَةِ الَّتِي تَزْنِي ثُمَّ تَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَرْضَى“.

 ”الْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ ضِدَّانِ، وَمُؤَيِّدُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ، وَمُزَيِّنُ الشَّهْوَةِ الْهَوَى، وَالنَّفْسُ مُتَنَازَعَةٌ بَيْنَهُمَا. فَأَيُّهُمَا قَهَرَ كَانَتْ فِي جَانِبِهِ“.

بمعنى أنّ هناك طرفين يتجاذبان الكائن الآدمي في بحثه عن اللذة واجتنابه عن الألم، هما: «العقل والشهوة» «الخير والشر» «الموضوعية والذاتية»، أو «الأوامر والنواهي الشرعية».

هذا التركيب الثنائي الذي يرثه الفرد فطرياً: جانب «وجداني»، ويقابله جانب «إدراكي» هو الوعي بمبادئ كل من «العقل» و«الشهوة»، بمعنى أنّ الشخص حينما رُكّب فيه «الاستعداد» على ممارسة الخير أو الشرّ: قد رُكّب فيه أيضاً «إدراك» كلٍ من الخير والشر، حتى تصبح ممارسته للسلوك خاضعة لعملية «اختيار» وليس لعملية «إجبار» مما يترتب على ذلك تحمل مسؤولية السلوك الذي يمارسه.

وقد أشار النص القرآني الكريم إلى هذا الجانب «الإدراكي» بوضوح عبر قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. ومعنى «إلهامها الفجور والتقوى» هو الإدراك لمبادئ الشهوة «الفجور» والعقل «التقوى».

وقد يفكر بعض الناس أنَّ القناعة ضد الطموح، وأنَّ على الإنسان أن لا يكون طموحاً، وأن لا يفكر في تطوير واقعه وتغييره، وبعض الناس يذهب على الإنسان أن يكون قنوعاً؛ فليس من الضروري أن يأخذ بأسباب العلم إلى الذروة، أو يكون قنوعاً في الواقع السياسي، فيقبل الاستسلام لحكم الظالمين والمستكبرين.

وكذا الحال في الواقع الاجتماعي، عندما يواجه قضايا التخلف في الواقع، فإنَّ عليه، حسب ما يعتقد، أن يقبل بذلك، وأنَّ على المجتمع أن يقنع بما تركه الآباء والأجداد، من عادات وتقاليد أصبحت مقدسة ولو كانت من باب تقديس الخطأ والجهل والتخلف.

ولكن هذا المفهوم خاطئ، فالله أراد للإنسان أن يكون طموحاً، وأن يظل في حركة تصاعدية بحيث إذا كان في درجة ما فعليه أن يعمل لينطلق إلى درجة أعلى، ولذلك فقد جاء في الدعاء ”اللهم أجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه“ ليؤكد على عنصر التكامل في واقع الإنسان الإيجابي كله. وفي الأذان نقول: ”حي على خير العمل“، وخير العمل هو أفضله، وإذا كان مفسراً بالصلاة فإنَّ الصلاة نموذج لخير العمل..

ولكنَّ الفكرة هي أن ينطلق الإنسان ليبحث عن العمل الأفضل والأحسن، لذلك لا بدَّ للإنسان من أن يكون طموحاً فإذا استطاع أن يوسع في رزقه فإنَّ الله سبحانه وتعالى يشجعه على ذلك، وقد اعتبر العمل في سبيل تحصيل الرزق من الحلال والتوسعة على العيال والتعطّف على الجار والقيام بالمسؤوليات الاجتماعية الإسلامية، عبادة، ففي الحديث الشريف: ”العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال“. وقد جاء أحدهم إلى إمام من أئمة أهل البيت وأحسبه الإمام الصادق ، قال له: إني همت أن أدع السوق، قال: ”إذاً يقل عقلك ولا يُنتفع منك بشيء“.. إنك بذلك تفقد غنى في التجربة لأن التجارة ليست مجرد عمل تحصل منه على رزق ولكنها تجربة تحصل من خلالها على خبرة وعقل اجتماعي واقتصادي من خلال حركتك مع الناس في تعقيدات التجارة كلّها.

فإذا قبل الإنسان بالمستوى الضئيل الذي عنده، فسوف لن ينتفع الناس منه بشيء، ولكنه إذا ركَّز في تجارته وكسب رزقه فسوف ينفع الناس سواء في الحاجات التجارية أو في غيرها، وقد ورد أنَّ الإمام الصادق سأل عن شخص قال: أين هو؟!، قالوا: هو في البيت يعبد ربّه، قال: فمن يقوته؟ قالوا: فلان، قال: ”إنه أشدّ عبادة منه“؛ لأنَّ الله لا يريد لنا أن نجلس في المسجد طوال الليل والنهار ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَالجمعة: 10، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُالملك: 15. فالإسلام لا يريد للإنسان أن يعطل طاقاته.

إنّ الدنيا مزرعة الآخرة، والعمل فيها هو العبادة، وهو مسؤولية الإنسان، وأما الآخرة فهي القيَم التي ترتفع بك في الدنيا، وهذا يعني أنْ لا تترك الدنيا كلّها، وهذا ما نستوحيه مما قاله قوم موسى لقارون في البرنامج الذي نقله الله عنهم، وكأن الله سبحانه وتعالى يقول: هذا هو المنهج الطبيعي والواقعي، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ @ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَالقصص: 76 - 77.

كن طموحاً في كلِّ شيء، في خط طاقاتك وامكاناتك، وعليك أن تطوّر طاقتك وطموحك في حجم امكاناتك؛ وأن تجعلها تتحرك بطريقة وبأخرى لتوسع حياتك وحياة الآخرين أيضاً.

قال أمير المؤمنين : ”ما رام امرؤ شيئاً إلا وصله، أو ما دونه“. أي: إنَّ الإنسان إذا أراد شيئاً لا بدَّ أن يصل إليه، والأمل يراوده دائماً كي يحقق ما يصبو إليه.

وهذا ما رامه الإمام الحسين حينما خرج من أجل ترسيخ مبدأ الإصلاح في المجتمع، وأنه المبدأ الذي سار عليه جده النبي محمد ﷺ، ووالده الإمام علي من بعده.. وهو شعار الأنبياء الذي ينصُ عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ أُريدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفيقي‏ إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنيبُ.

وما أفخم قول الشاعر الكبير محمد درويش: ”المستحيل هو الممكن الطموح، يخرج إلى الشارع شاهراً مقصّاً لتقليم الأغصان اليابسة والأفكار، وتعليم الحالم إدارة النهار على وتيرة ما يرى“.