آخر تحديث: 10 / 12 / 2017م - 11:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

استراتيجية امتصاص الانفعال‎

ما أكثر تلك المواقف التي نواجه فيها من يستفز مشاعرنا، ويوتر أعصابنا ويجيش عقولنا نحو فكرة المواجهة الساخنة ورد الصاع صاعين، ظنا منا أن رد الإساءة بمثلها نوع من رد الاعتبار والاحتفاظ بمكانتنا عند الآخرين، فيا ترى: هل هناك من مردودات سلبية وخسائر جسام يمكن أن تلحق بنا، لو سرنا في طريق الردود النارية التي لا يبدو منها أي تساهل مع من أساء إلينا، يمكنها أن تعيد تفكيرنا في هذه الخشونة؟!

الدراسات النفسية تؤيد الإرشادات والقيم الدينية الداعية إلى تجنب الدخول في هذا النفق المظلم من الانفعال والتهور وتوهم صنع الانتصارات وكأننا في ساحة حرب، ففكرة الانتقام والمواجهات تكلفنا غاليا في صحتنا البدنية والنفسية، وتستنزف من وقتنا وجهودنا الشيء الكثير؛ لتضعنا أمام محصلة نهائية مؤلمة وهي جنينا لخسائر بالجملة، مما يدعونا لوضع حد لمثل هذه المجازفات المدمرة.

فالانفعال الزائد والتفكير السلبي المتمثل بالانتقام ورد الإساءة بأفظع منها، يعتبر أحد أهم مسببات ارتفاع ضغط الدم، كما أن حالة الحدة والانفعال الشديد توتر أعصابنا وتورثنا القلق والاضطراب النفسي، مما يفقدنا حالة التوازن الفكري واتخاذ القرار والموقف المناسب، كما أنه يضعفنا اجتماعيا حيث تفقد علاقتنا بأصدقائنا حرارتها ويقل عندنا المنسوب العاطفي والقدر الكافي من الاهتمام بالأصدقاء ومتابعة أحوالهم، فنغدو أشخاصا ثقيلين ومملين لا يحبذ الآخرون مصادقتنا والتواصل معنا.

إن سيطرة فكرة الانتقام على أذهاننا يمكنها أن تحولنا إلى أفراد خاملين وعاجزين عن أداء واجباتنا، بحسب ما هو مطلوب من الأداء المتقن وخلو سجلنا من إنجازات مشرفة، فهل في عرض هذا المقدار من النتائج المترتبة على غيظنا وما بعده، حاجز لنا عن مثل هذا التفكير والسلوك المتهور؟!

التسامح يمكنه أن يمنحنا فرصة للتمسك بالهدوء ومنطق الحكمة في وقت نحن في أمس الحاجة إلى السيطرة على أعصابنا من الإفلات، فالتغافل عن أساليب الغير الاستفزازية والوقحة لا يعني هروبا أو ضعفا، بل هو خط حماية ودفاع لقيمنا وشخصيتنا من الانزلاق إلى وحل الخصومات والمناكفات، كما أنه يعطينا الوقت الكافي لدراسة الموقف وتبعاته في لحظات صفاء ذهني وبعيد عن أي تشوش أو اضطراب، فإنه من المهم فهم حقيقة المشاعر السلبية والانفعال الشديد والذي يأخذنا بعيدا عن العقلانية والحنكة في التعامل، فالتسامح رسالة قوية في مضمونها لمن يحاول الإساءة لك بأنك لا تعير ترهاته وكلماته الفالتة عن عقال المسئولية أي اهتمام، وأنك لست من الشخصيات الضعيفة التي يسهل اصطيادها في مشاحنات عبثية، ورسالة إيجابية لمن حولك بأنك تمتلك من الكياسة وفن التعامل مع المواقف الصعبة الشيء الكثير، مما يعلي شأنك ويعزز مكانتك.

فهذه الرسالة الجميلة فحواها أنك تتخلى عن العنجهية والتهور في مقابلة من أهانك أو استفزك، وأنك أخذت طريقا للتنفيس عن امتعاضك وانفعالك بطريقة إيجابية، وهو الرد عليه بإكمال مسيرك في تحقيقي الكثير مما تخطط له من أهداف مستقبلية.

ومما يعيننا على التحلي بروح وثقافة التسامح هو تجنب سيطرة فكرة الإهانة من خلال اجترارها والتفكير بها مطولا، فالمشاعر المتوترة يمكن تخفيض مستواها من خلال تفريغ تلك الشحنات السلبية، بالحديث عن مجمل الموقف مع صديق مقرب، أو كتابة الحدث في وريقات المذكرات فذلك يعزز من التوازن النفسي والفكري.