آخر تحديث: 6 / 7 / 2020م - 11:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

حتى لا يقال عنا «طرش بحر»

أحمد العلي النمر

يطلق قديما على منطقتنا التي تقع شرق الجزيرة العربية والتي تمتد على الساحل العربي للخليج أسماء عديدة مثل هجر وشاطئ القطيف وبلاد البحرين... ولست هنا للحديث عن حضارة وتاريخ وثروات هذه المنطقة، أو إسهامها القديم والحديث في تشكيل منظومة البلدان العربية والإسلامية المتحضرة، حديثي هو عتب علينا نحن أبناء هذه الأرض الطيبة الذين لم نوفيها حقها ومارسنا عليها العقوق بأجلي صوره... فقد تعرضت هذه المناطق «الحلوبة» إلى تهميش وللأسف الشديد من إنسان هذه الأرض؟! نعم إنها الحقيقة المرة... فقد ساهمنا نحن أبناء هذه الأرض المباركة قديما وحديثا في ضياع الكثير من تراثها الحضاري الذي لا يقدر بثمن.

ومع ما عرف من إنسان هذه الأرض من ثقافة وتسامح ديني وتواصل مع شعوب العالم وحضاراته على مر التاريخ إلا أنه مع الأسف الشديد يفتقد إلى ثقافة المحافظة على التراث وتدوينه وتوثيقه وقد شمل ذلك مستويات متنوعة منها: -

المستوى العلمي والثقافي

رغم العدد الكبير من العلماء والأدباء والمثقفين من أبناء هذه المناطق الذين اثروا الساحة العلمية بعطائاتهم الفكرية قديما وحديثا، إلا أن هناك كم هائل غيرهم فُرض عليهم التعتيم الإعلامي والتهميش وعدم العناية بتدوين وتوثيق إنتاجهم والتعريف بهم، وما أكثر المخطوطات النفيسة والبحوث القيمة التي تلفت أو ضاعت أو تنتظر من يعيد لها ولكتابها الحياة، وان التعويل على نظام أو دولة لإحياء مثل هذه القضايا هو ضرب من الخيال.

المستوى التاريخي

اغلب تاريخ هذه المنطقة - مع شديد الأسف - كتبه الأجنبي... والأجنبي عندما يُوثق لمنطقة ما فلا بد أن يتأثر بثقافته «الأم» التي تفرض عليه «إيديولوجيتها» المناطقية والسياسية والمذهبية، ونحن رغم قصر الفترة التاريخية التي قُدر لنا أن نعيشها شاهدنا بأم أعيننا - وعلى عينك يا تاجر - كيف تم التلاعب والتزوير والتشويه وقلب الحقائق لكثير من الإحداث والوقائع، ومن المؤكد أن الكثير من المنقولات التاريخية التي تصور لنا بعض الجوانب التاريخية السلبية عن هذه المنطقة لا تخلو من مغالطات، ولا شك أن أبناء هذه الأرض يتحملون وزر ما جرى وما سيجري من تشويه وتزوير لتاريخهم.

المستوى الاقتصادي

صحيح أن المنطقة تطفو فوق بحيرة نفط وغاز، إلا أنها أيضا تتمتع بموارد اقتصادية عديدة تضعها في مصاف المناطق المكتفية ذاتيا، ولكننا «قتلنا» هذه الميزة بإهمالنا لهذا التراث الاقتصادي، ولم يعد لمقولة «كناقل التمر إلى هجر» مصداقية، فليس غريبا هذه الأيام أن تسأل بائع التمر في هذه البلاد «هل هذا التمر إنتاج محلي أو مستورد؟»... وهكذا تحولت المنطقة إلى أسواق استهلاكية لبضائع كانت في الماضي تُصدر منها... ونحن أبناء هذه الأرض ليس فقط لم نساهم في المحافظة على مواردها الاقتصادية الأصيلة فحسب، بل تعاملنا بجفوة وعدم اهتمام حتى بأيسر الأمور وأسهلها مثل التدوين والتوثيق والإحصاء والتصوير.

مستوى الآثار وحماية البيئة

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على حماية آثارها وبيئاتها الطبيعية، نجد في مناطقنا تنافسا مهووسا على سحق الآثار، وطمس معالم السواحل الطبيعية، وأماكن تكاثر الحياة البرية والبحرية، وهي تراث وثروات قومية لا ينبغي التفريط فيها.... إن أبناء الأجيال القادمة سيعتبون علينا كثيرا بتفريطنا في المحافظة عليها، فلا متاحف نحتفظ فيها بتراثنا «الحقيقي» ولا توثيق ولا رصد ولا تصوير ولا شيء يمكن أن نعتبره شاهد إثبات على حضارة كانت رائجة في هذه المنطقة.

مستوى اللباس والأطعمة والفلكلور الشعبي

لباس كثير من شباب اليوم بنطلون قصير وأحيانا يكون ممزق، وقميص أو «فانيلة» تحمل رسوم أو أسماء أو حروف ترمز إلى إحداث أو مناسبات أو شخصيات بعيدة عن مجتمعاتنا وتقاليدنا... إما الأطعمة فإن «الهبمرجر والبيتزا والأندومي والكولا والبايسون» وما شابهها غزتنا في عقر دارنا وأصبحت أكثر هيمنة على موائدنا من أكلاتنا الشعبية التي توارثتاها أبا عن جد... أما فلكلورنا الشعبي وما يتبعه من أهازيج وألعاب وفعاليات فقد تحول إلى عالم غربي آخر أشبه ما يكون بـ «ديزني لأند»، كما أن الكثير من اللهجات المحلية انقرضت تماما!.

النتيجة

إن ضياع التراث كضياع صك الملكية لأي عقار، وإن لم يكن لديك ما يثبت ارتباطك بهذه الأرض فإن في الساحة من يتربص بك الدوائر ويتصيد عليك العثرات، ومن اتهمك سابقا في ولائك لوطنك وعمالتك للأجنبي فلن يتردد - متى ما أتيحت له الفرصة - إن يصنفك ضمن - ما يسمى - جماعة «طرش البحر».