آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:23 ص

قصة السلاح في القطيف

سلمان محمد العيد

كثر الحديث في الآونة الأخيرة على الصعيد الاجتماعي المحلي «تحديدا في محافظة القطيف» عن ظهور بعض المظاهر المسلحة، ولجوء بعض الناس لاستخدام السلاح سواء مع رجال الأمن او مع غيرهم، ورغم ان المسألة ليست جديدة، إلّا ان الحديث عن مثل هذا الموضوع في الصحافة المحلية، وفي وقت اتسم بحالة من التوتر الأمني والاجتماعي في المحافظة جعل من الموضوع يأخذ أبعادا غير مقبولة، مثل «العك» في القضايا الشخصية، مع أن جميع من عالج الظاهرة ــ من أي جانب كان ــ لا ينطلق إلا من غيرة وطنية لا يحق لأحد التشكيك فيها.
وفي الحقيقة وبعيدا عن وجهات النظر المتباينة حول الموضوع، وهي وجهات نظر محترمة على كل حال، فالموضوع يستحق التوقف بعناية، وبشيء من التأني، لأننا حينما نتحدث عن مجتمع «مسلّح» فإن الحديث ينتقل بصورة طبيعية عن عوامل انتشار هذا السلاح، فلا سلاح بدون تسليح، كما «لا علم بدون تعليم»، بمعنى ان السلاح وانتشاره في مجتمع ما لا بد من وجود عوامل تدفع لاقتنائه، فضلا عن استعماله واللجوء إليه، وقبل ذلك لا بد من مواقع ومعسكرات لتعلم التعاطي به، فالسلاح ليست علبة شوكولاته أو قنينة كولا يتم شراؤها من البقالة، متاحة لكل أحد، ويمكن لكل واحد التعامل معها.

فالمجتمع اللبناني على سبيل المثال شاع السلاح بين أبنائه بسبب اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 واستمرت 15 عاما، راح ضحيتها على بعض التقادير أكثر من 200 ألف إنسان.. وحينما تتحدث عن مجتمعات عربية أخرى، مثل المجتمع المصري، والمجتمع السوري، والمجتمع العراقي، فكلها مجتمعات يتقن ابناؤها التعامل مع الأسلحة، لوجود نظام للتجنيد الإلزامي بها،

وهناك ايضا مجتمعات عربية «مسلحة» بطبعها، مثل المجتمع اليمني، فالسلاح موجود في كل المنازل،

بالنسبة لنا في المجتمع السعودي، لا يوجد نظام لــ «التجنيد الإلزامي» من قبل الدولة، كما أن الفرصة ليس متاحة لكل أحد للالتحاق بالجيش والقوات المسلحة والحرس الوطني، ومؤسسسات وزارة الداخلية، وهي المؤسسات التي يتاح لأفرادها مجال التدرب واستخدام الاسلحة بشتى أنواعها، كما أن البلاد ــ وبعد توحيدها على يد المرحوم الملك عبد العزيز ــ لم تشهد حربا أهلية، ولم تدخل حروبا إقليمية مباشرة، فضلا عن منع الدولة لتداول الأسلحة بين فئات الشعب ومعاقبتها على ذلك وبشدّة، وحتى الخلافات والصراعات في المجتمع، لم تصل ـ في الغالب ـ الى حد الصدام المسلح، لأنها لم تصل الى المستوى الكبير الذي يتم خلاله استخدام السلاح، وإذا ما جرى شيء من هذا القبيل كما هو حال حركة جهيمان العتيبي في احتلاله للحرم المكي الشريف عام 1980 وما يقوم به تنظيم القاعدة من عمليات تخريب هنا وهناك، فإن من نفذ تلك العمليات هو أناس متدربون على الأسلحة، سواء في المؤسسات العسكرية المحلية فجهيمان العتيبي وجماعته كانوا أفرادا في الحرس الوطني، وتنظيم القاعدة قد جاء بعناصر قد تدربت في افغانستان أبان الاحتلال السوفياتي هناك الذي استمر سنوات طويلة.

من هنا يمكن القول أن مبررات اقتناء السلاح لدى أبناء المجتمع السعودي، «خصوصا أبناء القطيف» تبدو غير واردة، إلا اذا كان من باب الاقتناء بها كتحفة جمالية، مثل من يقتني السيف والرمح والخنجر ثم المسدس والرشاش من أجل الزينة، وهنا لا بد ان نفرّق بين من يحمل السلاح كــ «زينة» للرجال، كما هو المتعارف عليها لدى العرب في الجاهلية والإسلام، حيث لا يشهر السلاح إلا في الحرب، فالرجل يشعر بأن من مقومات رجولته ان يحمل السلاح، ويتدرب عليه، ويدخل في منازلات تدريبية مع زملائه، والسلاح بموجب مبدأ الزينة موجود على جدران المنازل حتى مع ذروة الحضارة والتمدن، فيكون زينة للرجل وزينة للمنزل أيضا، وهو قائم في الوقت الحاضر في كل من عمان واليمن حيث ان من زينة الرجل ان يضع على صدره «خنجرا»، الذي لا يخرجه من غمده إلا ويسيل دم، لذلك إذا لم يتم سفك دم بشري، يتم بهذا الخنجر ذبح بهيمة او دجاجة ليسيل الدم كي يعود الخنجر الى غمده. ويبدو أن الكثير من أبناء مجتمعنا اقتنى السلاح لهذا الغرض لوضعه تحت منامه، او وضعه تحفة في منزله، والبعض يأخذ اسلحة شكلية، يضعها في سلسلة مفاتيحه، أو على اجندة مكتبه، او على الحائط، وكلها تميل الى التحفية في اقتناء السلاح.. وإذا تجاوز هذا الأمر فهو يستخدم السلاح من أجل الصيد، صيد الطيور والحيوانات وحتى الأسماك، وكلها تعتمد انواعا معينة من الأسلحة تختلف كثيرا عن تلك التي تستخدم في الحروب والمواجهات بين بني البشر.

من هنا، فالقول ان المجتمع السعودي بات «مسلّحا»، هو قول تنقصه الدقة والموضوعية، لأنك حينما تقول ان هناك سلاحا، يتم استخدامه، فهذا يعني ان هناك معسكرات تدريب، وهناك مدارس ومراكز لاستعمال السلاح، وهناك مصانع او مصادر لوجود هذا السلاح.. أي أن هناك قائمة طويلة، لا أحد يعترف بوجودها، ولا أحد يجزم بذلك.

وهذا القول بالطبع لا ينفي وجود أسلحة وهناك من استخدمها، وأدى ذلك الى إزهاق أرواح برئية زاكية، وحدثت حوادث مؤسفة، ولكن أن يقال بأن هناك جرائم تجري كل يوم وليلة، وأن استخدام السلاح بات ديدن المجتمع، اجد أن هذا القول فيه شيء من الإتهام ضد المجتمع، وهو اتهام بدون دليل مقنع، مثله مثل من يقول بتحول بعض مناطق المملكة تحولت الى وكر لصناعة الخمور وترويج المخدرات، في حين أن القصة لا تعدو جريمة او جريمتين او عشر او عشرين جريمة تحدث في أي وقت وفي أي تجمع بشري.

بقيت مسألة هامة في هذا الشأن هي «من المسؤول عن وصول السلاح الى أيدٍ لا تتقن التعامل معه؟ ومن المسؤول أيضا عن معالجة هذه الظاهرة وتجنب المجتمع كارثة اجتماعية ذات صبغة دموية حمراء؟» أظن إنني بحاجة الى وقفة أخرى في هذا الشأن.