آخر تحديث: 24 / 11 / 2017م - 3:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا تفشل الإدارات الرقابية المتعددة في البنوك؟

أمين محمد الصفار *

أثارت حادثة الاختلاسات التي حدثت لدى أحد البنوك المحلية الكثير من الاسئلة الوجيهة والمبررة تجاه جدوى الإدارات الرقابية المتعددة ومدى فاعليتها تجاه حالات الاختلاس والفساد بأنواعه خصوصاً في الشركات ذات الهوامش الربحية المرتفعة كالبنوك وشركات الاتصالات على سبيل المثال.

بداية لابد من التذكير والتأكيد أولاً على أن البنوك السعودية بقيادة مؤسسة النقد هي من أكثر البنوك على مستوى العالم التزاما بالمعايير الدولية المختلفة إبتدءاً من بازل بكل إصداراتها مرورا بالقواعد المنظمة بالمتعلقة بالأنظمة التقنية والبطاقات الائتمانية وغيرها إلى القوانين المحلية والدولية المتعلقة بالالتزام وبمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب. تظهر أهمية هذا الالتزام أكثر إذا ما علمنا أن بعض البنوك الكبيرة الموجودة في بعض الدول المتقدمة لم تصل بعد نسبة التزامها إلى ما وصلت إليه البنوك السعودية من التزام بهذه المعايير الدولية المكلفة.

للإجابة على السؤال سوف اتحدث عن نموذج فاخر لكيفية الإبقاء شكلاً على عمل كل الإدارات الرقابية وتعطيلها وترويضها مضموناً، بل وكيفية الاستفادة منها بهيئتها المعاقة لخدمة أهداف غير مهنية غير تلك التي إنشأت من أجلها. في هذا النموذج يكون المدير العام/العضو المنتدب/ الرئيس التنفيذي في الشركة هو المهندس والمستفيد الأول منه وهنا مكمن الخطر.

النموذج الذي أريد التحدث عنه هو قيام المسؤول الأول في الشركة بتعيين أشخاص بكفاءة عادية أو أقل لتولي المناصب القيادية وبرواتب فاحشة جدا، بغض النظر عن الكفاءة ليصبح هذا الشخص بين خيارين اما ان يكون له رأي وبالتالي يخسر موقعه وراتبه المغري في أي لحظة، أو أن يكون تابع لرغبات سيده بدون حدود والتمتع بالراتب والمزايا التي لم يكن ليتوقعها. اما الموظفون القدامى، فيختار المسؤول الأول المناسب منهم حسب معاييره الخاصة ويقوم بترقيتهم وزيادة رواتبهم - زيادات فاحشة طبعاً - ويكونوا مثل أولئك.

هذا النموذج من الممارسة الإدارية الخاطئة قادر - على سبيل المثال - على تعطيل خمس إدارات رقابية مهمة في شركة مثل البنوك، وهي ملزمة بإنشائها حسب تعليمات مؤسسة النقد العربي السعودي، فضلا عن الإدارات واللجان ذات المهام الرقابية التي ينشأها البنك باختياره. ولعله يمكننا ذكر مثال واحد صارخ لأحد البنوك المحلية - كي يتضح جزء من حجم المشكلة وتشعبها - وهو وجود ما يقارب 2% من عدد موظفي البنك في إدارة رقابية واحدة فقط، فضلاً عن الأربع إدارات الرقابية الأخرى!. هذا الجيش من الموظفين في هذه الإدارة الذي بوجوده يضلل نسبة توطين الوظائف، هو الذي - نظراً لعدم وجود حاجة فعلية له - يظهر ويبقي هذه الإدارة شكلاً وكأنها إدارة ذات فعالية حقيقية.

أن وجود وقبول هذه الخطيئة الصارخة في بنك ما يعني أن هناك خطأ جوهري في الإدارة، وأن هذه الخطيئة ليست يتيمة، أما الإدارات التشغيلية فللقارئ أن يتخيل حجم الخلل في المعايير المهنية والأخلاقية والوطنية والمشكلات الإدارية الشائعة والمعروفة قياساً على ما ذكرته في المثال السابق.

علامات وجود هذه الممارسة وهذا النموذج في شركة ما فهي عديدة، لكنها تكون أكثر بروزاً في فريق العمل المحيط بالمسؤول الأول. فهموا يصبحوا برغم اختلافهم منسجمين مع كل قراراته دون اي اعتراض أو إبداء وجهة نظر مخالفة لوجهة نظره، بل يحاولون استشفاف وجهة نظره قبل أن يبديها فإذا وافقت ما يريد والا قاموا مباشرة بإعادة توجيه وجهة نظرهم بما يتطابق مع وجهة نظر سيدهم، ويتقاتلون فيما بينهم لأجله وهم ايضا أكثر قدرة على تلقي وتحمل اهاناته بكل رحابة صدر، ومن جانبه يكون هذا السيد اقل تحفظ في توجيه الإهانات لهم وامام مرؤوسيهم، غير أن المهم هنا من الناحية الإدارية ملاحظة أن هذا الفريق - وهو في مناصب رفيعة في الشركة - يصبح غير أمين على أداء مهامه، وأقل قدرة على الالتزام بالقيم والمعايير المهنية والأخلاقية إلا بما يرتضيه سيده المسؤول الأول وهنا تكمن خطورة المشكلة، حيث أنه - فعليا - يسلبهم جميع صلاحياتهم ويبقى عليهم المسؤولية فقط، ويصبح قادرا على فعل أي شيء من خلال هؤلاء الذين أصبحوا غير قادرين على رفض أي شيء منه، وكذلك دون أن يثبت عليه أي خطأ مباشر منه.

يعلم الجميع أن البنوك هي العصب والشريان الرئيس لأي اقتصاد، والقطاع البنكي هو أفضل تجربة خصخصة محلية في المملكة، ونحن هنا لا نريد أن نمارس إنشاد الشعر في الفساد بقدر ما نريد أن نشير بالإصبع إلى دنبولة الفساد التي تشوه كل إنجازاتنا ومكتسباتنا الوطنية.