آخر تحديث: 23 / 6 / 2018م - 10:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل أصبحت ظاهرة؟

أمين محمد الصفار *

كان لإحدى الجامعات المحلية فلسفة جميلة في تصميم مكاتب المدراء العامون لديها، تقضي هذه الفلسفة بأن تجعل مكتب سكرتير «مدير مكتب» الرئيس أكبر حجماً وافخم اثاثًا من مكتب المدير نفسه الأقل مساحة، وذلك لجعل زوار المدير - قدر الامكان - لا يضجروا خلال فترة الانتظار لحين مقابلة المدير وكذلك لتمكين المدير من إدارة وقت الاجتماع فلا يشعر الزائر بالراحة التامة في مكتب المدير الصغير.

الخبر الذي نقلته جريدة عكاظ عن قيام وزارة الصحة باستئجار برجين اثنين فخمين «عاجيين» كمقر لادارتها في المدينة المنورة، يعيد التساؤل عن هذه الحالة باعتبارها ظاهرة مستفزة، ليس لكونها مبالغة في استهلاك المال العام فقط، بل أيضا لأنها تجعل الإنسان العادي يقارن ويلاحظ الفرق الكبير بين مستوى الخدمة المتدني الذي تقدمه هذه الوزارة أو تلك وبين مستوى المكاتب الإدارية الفارهة التي تبنيها أو تستأجرها بعض الأجهزة الحكومية.

مازال في الذاكرة - وهو إلى الآن موجود - كيف أن وزير سابق - لوزارة خدمية ايضا - قام باستئجار مقر «برج عاجي أيضا» خاص فقط بمكتبه ومكتب نائبه، منفصلا بذلك عن مبنى الوزارة أو باقي الوزارة إن صح التعبير، طبعا لم ينس هذا الوزير أن يبقى مقره ومقر نائبه في المبنى الوزارة القديم «المستأجر» يعمل كمركز اتصالات ينقل له البريد من وسط العاصمة إلى أقصاها في كل يوم تقريبا.

بالأمس القريب شاهدت المكتب الفخم لأحد المسؤولين عن التعليم وتعجبت من كيف لهذا المسؤول أن يقبل أن يبقى في هذا المكتب الواسع والفخم وهو يعرف الحال البائس للمدارس والفصول الدراسية في منطقته التعليمية! ومازلنا نشاهد حالات مماثلة من المبالغة في بناء المقرات الكبيرة والمكاتب الواسعة والفارهة لإدارات حكومية حتى في مستويات إدارية أقل بكثير، ودون أي موائمة أو اعتبار للمتغيرات والتوجهات التي نشهدها على مستوى المملكة.

في المقابل، لابد لنا أن نذكر أيضا بعض النماذج والتطبيقات الرائعة، فقبل سنوات قليلة خطت بعض الوزارات خطوات رائعة في مجال تحديث مكاتب وصالات المراجعين، حيث - وبعد أن جددت بعض دماء القادة لديها - قامت بتطوير وتوسعت صالات خدمة المراجعين، عبر تطبيق نظام مكتب الخدمة الشامل، واصبح المراجع يدخل صالة المراجعين فيراها واسعة نظيفة ومنظمة، تنجز فيها الخدمة بسرعة ومستوى خدمة مقبول.

اعتقد أن هذه الحالة من الانفصام بين مستوى الخدمات المتدني التي يقدمها جهاز حكومي وبين مستوى وحجم المكاتب الإدارية هي حالة شيزوفينا إدارية تحتاج إلى إيقاف استمرارها ومعالجتها سريعاً، فلا الحالة التصحيحية التي تعيشها البلاد تسمح باستمرار هذه الظاهرة ولا مستوى الخدمات المتدني الذي تقدمها تلك الإدارة يشفع لها بهذا البدخ في مستوى وحجم المكاتب الإدارية.

أن أي ترف في المكاتب الإدارية للأجهزة الخدمية يحتاج أن يعكس ويتناسب مع مستوى الخدمات التي تقدمها لا أن يعبر عن عقد نفسية أو حالة من الانفصام والانفصال عن الواقع.