آخر تحديث: 25 / 9 / 2018م - 2:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

أين ذهب القراء الجدد؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

قبل يومين، تساءل رئيس تحرير هذه الصحيفة، في مقاله «لا تذهب إلى المكتبة»: أين هم القراء الجدد؟ وذلك بعد أن لاحظ خلال زيارته لمكتبة باريسية تسكنها أفكار عمالقة الفكر والفلسفة والتاريخ والسياسة الفرنسية، أن زوارها في الغالب من فئة الذين تجاوزوا الثلاثين من أعمارهم. يشير إلى أن تقنيات التواصل الاجتماعي ربما خطفت القارئ الجديد، في بلد تقوم حضارته على المعرفة، وتمتزج لغته وفنه وحياته ونمط معيشته وأطباق طعامه وأزيائه وعطوره بالثقافة... فرنسا التي يلاحظ الكاتب أن أكثر رؤسائها يحلمون بالتحول كتّاباً، وتتحصّن المدينة فيها بالتراكم الإبداعي للروائيين والشعراء والعلماء والنقاد والرسامين ضد الإفلاس الروحي والفكري.

باريس إذن تشتكي من تفشي الثقافة السطحية المعلبة التي تسوقها وسائل التواصل الاجتماعي، فما بالك بالدول العربية التي أصبحت فيها تلك الوسائل فضاءات يهرب إليها الناس من انغلاق مسارب المعلومات الصحيحة، وانسداد قنوات الحقيقة، أو للتنفيس عن احتقاناتهم؟!

لا يمكن العبور نحو المعرفة التي هي أساس التنمية الإنسانية ما دمنا في خصومة مع الثقافة وحاضنتها: الكتاب. نحن جزء من هذا العالم العربي الذي استهان بوعيه وثقافته ومعرفته، فصار إلى ما وصل إليه. لم تتغير الحال إلى الأحسن منذ أصدرت مؤسسة الفكر العربي «تقرير التنمية الثقافية» قبل سنوات وأعطت أرقاماً صادمة لمعدلات القراءة: فالعربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً؛ بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً. وفي حين يقرأ الأميركي 11 كتاباً في السنة، والبريطاني 7 كتب في العام، فإن كل 20 عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة!

مؤخراً صدر كتاب «نار وغضب» للكاتب الصحافي، مايكل وولف، وبعد أقل من 24 ساعة كانت مواقع التواصل الاجتماعي تتناقل نسخة مترجمة للعربية عن هذا الكتاب. آلاف الناس تبادلوا النسخة العربية دون أن يفتحها أحدهم، أو يقرأ سطراً منها. كانت عبارة عن ترجمة آلية مشوهة ولا يمكن فهمها. لكن لأن جمهور الوسائط الإلكترونية ميّالٌ للتبادل وليس للقراءة والاطلاع، فلم يكتشف إلا القليلون أن هذا الكتاب ليس هو الذي يتبادلونه!

وسائل التواصل اجتذبت جيوش المهمّشين الذين احتلوا المقاعد وأعادوا تشكيل الفضاء من جديد... يضخّون المعلومات والسرديات ويتناقلون أشكالاً معلبة ومبسطة من الثقافة التي تتمكن فقط من حشو الذاكرة وتعطيل قدرة القارئ على الخيال والاستلهام والابتكار.

قبل أيام من وفاته، قال الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو: «إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»؟، ونقلت عنه صحيفة «إيل ميساجيرو» الإيطالية قوله: «مواقع التواصل الاجتماعي منحت حق التعبير لجحافل من الأغبياء ما كانوا يتحدثون سابقاً إلا في الحانات بعد احتساء الكحول من دون إلحاق أي ضرر بالمجتمع». مضيفاً: «كان هؤلاء يُرغَمُون على الصمت فوراً، في حين بات لهم اليوم الحق عينه في التعبير كشخص حاز جائزة نوبل. إنه غزو الأغبياء».

برأي ألبرتو مانغويل؛ «في المكتبة الكونية الكبرى، ثمة كتاب واحد على الأقل لكل شخص، ولكن ليست كل الكتب صالحة للكل»، لكنّ المكتبة برأي بورخيس «هي الجنة الأبدية».