آخر تحديث: 21 / 2 / 2018م - 2:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

فاطمة (ع) بهجة القلب

كم هو مقدار المعرفة النيرة التي يكتسبها العقل، من خلال البحث عن جوانب العظمة في شخصية الصديقة الكبرى الواردة على لسان أفضل الخلق ﷺ، والتي نطق بها إفصاحا عن ما تحلت به الزهراء من كمالات وفضائل اعتلت بها قمة القرب من الله تعالى والعطاء والزهد ومنظومة أخلاقية عالية.

فيعبر ﷺ عنها ببهجة القلوب وذلك في إشارة للمردود النفسي والتربوي لمن يطلع على شيء من سيرتها العطرة والفائضة بمفردات الرقي والسلوك نحو التكامل الإنساني الذي ينشده كل راشد أريب، يروم الخروج من شرنقة الجهل وأغلال الشهوات وعمى البصيرة؛ لينطلق في فضاء مفردات الكمال الإنساني المتجسدة بشكل تطبيقي، وهذا ما يجذب النفوس المهذبة نحو جمال السيرة الفاطمية العطرة لاستنشاق عبيرها، فإن التربية بالقدوة من أهم النظريات التربوية والتي يمكن من خلالها تنشئة وتنمية شخصية الأبناء، فترتكز في نفوسهم كل تلك السلوكيات المحببة، وينطلق من ألسنتهم الحكمة والكلمات المهذبة بعيدا عن نزق وطيش النفس الجامحة.

نعم، إنها النسمة النورانية التي تدخل السرور والسعادة على قلب رسول الله ﷺ، ترى: ما الذي تحمله روحها الطاهرة وسيرتها العطرة من أسرار ومعان تشع في دنيانا خيوط الهداية والدعوة إلى الحق وإشاعة الفضيلة والعفاف؟

المتطلع إلى سيرتها المكتنفة كل مفردات القيم الأخلاقية يذعن بأنها تطابق سيرة أبيها، وتمثل امتدادا واستمرارا ورفعة لراية التوحيد وتهذيب النفس، فنحن لا نتحدث عن امرأة عادية حازت مقام الطهارة والعفة والإيمان، بل الحديث عن العظيمة التي نالت مقام الرضا الإلهي عمن رضت عنه، وما يخبر به الرسول من صفاتها ومقاماتها هو إفصاح عن شيء من أسرارها التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وأما سيرتها فهي تمثل مدرسة متكاملة لو تأمل في سيرتها العقلاء المتصفون بالحكمة والوعي، لارتشفوا من معين فضائلها ما يشكل منظومة تربوية وأخلاقية تسمو بها الأجيال، وتصنع وتصيغ شخصياتهم وفق أهم معايير الصلاح والاستقامة والإرادة القوية بعيدا عن مستنقع الإسفاف والانحلال.

سيدة نساء العالمين اصطفاها الله عز وجل من بين نساء الأولين والآخرين، مع وجود نساء فضليات في كل زمان ولكن مرتبتها الكمالية في المعرفة الربانية وما حازته من علم لدني شع ضياؤه وأنار الأفهام، جعلها في علياء القيم السماوية، فهي المعلمة التي يلوذ بها النساء - كما يتحلق الرجال بأبيها وبعلها - ليتفقهوا في دينهم ويفهموا مضامين الآيات القرآنية ويتلقوا من كنوز حكمهم دروس الحياة، وما ينير قلوبهم في دياجير سبل الضلال والتيه المتعددة.

وتجلت منها كل معاني الإخلاص والقرب منه تعالى، فعيشتها عنوان الزهد وبساطة العيش ولكنها اليد المعطاءة التي تنفق على الفقراء، فلم تبخل بقلادة أهدتها إياها ابنة عمها فاطمة بنت الحمزة وقلادة أخرى من أمها السيدة خديجة ، إذ قدمتها للفقراء والمحتاجين لعلها تبلسم ألم الجوع عنهم؛ لتقدم مدرسة في الجود والعطاء والتكافل الاجتماعي بمواساة المعوزين، وترفع النفوس الإيمانية عن رذيلة الشح والأنانية وتبلد الأحاسيس تجاه البؤساء.