آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

تو الناس

محمد العلي * صحيفة اليوم

قبل أيام كنت في مهب بركان غادر، وكانت استغاثة دمي، ممن ينقذه من الضياع، تسمع من مسافات ضوئية، وكأنه من «هوامل» أبي حيان التوحيدي، نعم، كان بعضي يلوذ ببعض، أو يتوكأ عليه.. ولم أكن أفكر فيما أنا فيه، بل انهالت علي أسئلة ضارية: ما الحياة؟ ما الحرية؟ ما الأمل؟ ما فائدة الركض من الخروج من المعلوم إلى المجهول والذي يسمونه الإبداع، ما الفرق الواقعي بين الإنسان وبين أي دابة أمام قوانين الطبيعة؟

أسئلة بيضاء، وسوداء، وصفراء، وألوان أخرى، لا أعرفها، بعضها جاد، والآخر هازل، والثالث يتأبط هاوية لا قرار لها، وكنت أعرف: أن أفضل جواب هو الصمت، لأن أي جواب يعجز عن اللحاق بالسؤال، فالسؤال يتشظى، أو يتمدد، بل يهزأ من أي جواب، لأنه يتعلق بمفهوم الوجود ويتوجه نحو المستقبل.

زرت أحد الأصدقاء القدامى، وكان مريضا، فقال لي بلهجة شعبية رشيقة: «لا تخاف.. تو الناس» تو الناس هذه، تحمل كل ما في صيدليات الدنيا من الأدوية، تأخذ فائدتها من بعيد، وبدون ثمن، وقد كررتها في أزمتي.. الكارثة، وكانت تتأرجح، أول الأمر، ولكنها مشت على قدميها، باستقامة بعد ذلك.

الآن، لا أفكر في الشعراء، وهم يمشون على الماء، ويهرولون في الهواء، وإن كان ذلك مغريا، بل أفكر في ذلك الرعيل، الواقعي، من الفلاسفة، الذين قالوا لسقراط: خذ جدلك الميتافيزيقي واذهب إلى سدرة المجد، وقالوا لأفلاطون: خذ مثلك كلها، واحرص على أن تكون ظلالها ناصعة، واجلس على كرسي العظمة، وكذلك أعطوا لكل فيلسوف مطلق الأفق، ليجرب فيه جري أحصنته.. أما نحن، فسنعطي الحياة كل ما عندنا من الأماني، وسندخل إلى حقولها، ونجني أطيب ثمارها، ونقضي ما نستطيع من نشوتها.

نعم، أفكر في هؤلاء الفلاسفة، الذين وضعوا كل هم وراء ظهورهم، وراحوا يرتشفون الحياة قطرة.. قطرة.. وأود أن أكون مثلهم، ولكن ظرفهم يختلف عن ظرفنا الآن، كان ظرفهم يعطيهم حرية أن يتصرفوا كما يريدون أما ظرفنا فينظر إلينا شذرا.

كاتب وأديب