آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

مهام ملحة لمواجهة تحديات الثورة الرقمية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

تعرضنا قبل عدة أسابيع، وفي حديثين متتاليين، إلى التحديات الثقافية والاجتماعية التي نشرت، عن انتشار الثورة الرقمية، وما تبعها من مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، وأشرنا إلى أن هذه التحديات، رتبت مسؤوليات جسيمة على صناع القرار العربي، وتحديداً أجهزة الثقافة والفنون والتربية والإعلام. وأشرنا إلى بعض هذه المسؤوليات.

السؤال الذي يهتم به هذا المقال هو: ما هو دور المثقف العربي، في خضم التحولات الكبرى، في عالم التقانة التي يمر بها العصر الكوني الذي نحياه؟

أسهمت هذه التحولات في تحرير الفرد من قيود حجمه، وزمانه، ومكانه، وجنسه. وبالقدر الذي يتم فيه تسارع اختزال الزمان والمكان بالقدر التي تهتز فيه منظومة التقاليد والقيم والثوابت وأنظمة المعارف في جميع أمم الأرض، إلا في تلك التي تقوم بالدور الريادي في صناعة المستقبل، ونشر وتعميم قوانينها وضوابطها الجديدة.

في هذا السياق، لا بد من الاعتراف بأننا ما زلنا نعيش حالة انفصام شديدة وخطيرة بين ماضينا وحاضرنا. فنحن من جهة، نتصرف وكأن ما يجري من حولنا في هذا العالم لا يعنينا. إن زماننا، حين نضعه في ميزان سلوكنا وردود أفعالنا، منفصل تماماً عن الزمن الكوني الذي نعيش فيه. إنه زمن غابر يرفض التعامل مع الحاضر، ويعيش غربة تاريخية سحيقة، رافضاً، في فكره، ما هو حديث تحت يافطة الدفاع عن التقاليد والثوابت، مكرساً بذلك هيمنة سلطة الإكراه واستمرارية نسق المتخلف.

بعضنا الآخر، يعيش حالة افتتان مطلق بالحاضر، ويشطح في الأفق البعيد، بينما لا يزال قابعاً في أسر تقاليده البالية، متجاهلاً أن الجديد في الثورات التكنولوجية والمعلوماتية والعلمية قد تحقق بفعل قانون التراكم، وأن حالة التحول لم تكن معزولة عن حراك وصراع طويل مع الكون والعلوم والطبيعة، وأن غياب قوانين التحول من وعينا، تجعلنا نقتحم الزمن الجديد بشكل مسطح، ومن دون الأدوات والمستلزمات الضرورية لذلك، وبالتالي من دون قدرة على التفاعل.

ويتناسى دعاة الحداثة الكاريكاتيرية أن من شأن ذلك أن يجعل منا إمّعات وتابعين، لا عناصر مبدعة. وبالتالي تكون النتيجة غربة جديدة من نوع آخر.. نوع ربما يكون أقسى وأمر مما نحن فيه الآن.

لا بد إذاً، من ضبط إيقاع حركة الولوج في الزمن الكوني الجديد، باتجاهين متوازيين. الأول، تحقيق التراكم الثقافي والعلمي والمعلوماتي المطلوب. والثاني، التماهي الواعي مع الحراك الإيجابي الدائر من حولنا في هذا الكون كي نكون بالفعل مؤثرين، في عملية التطور الإنساني التي تحث السير من حولنا بسرعة تفوق سرعة الصوت.

هذا يعني أن تكون لأجهزة الاتصال المتوفرة لدينا، من فضائيات، وإنترنت، وصحافة، أدوار أخرى غير تلك التي تضطلع بها الآن. إن أدوارها يجب ألا تكون المشاركة في ترسيخ الماضوية البليدة وإعادة استنساخها في أدوات وتقنيات جديدة، ولكن بتجاوزها والخروج عليها، وصناعة بديل عنها متجانس مع متطلبات ومستلزمات وضرورات عصرنا الحاضر. إننا في الحقيقة بحاجة إلى توحيد زمننا العربي، وجعله زمناً واحداً، محرراً من رتابة ماضيه ومعلوماتيه، وأن يكون متصلاً، في قدرته وفعله، بهذا الزمن الكوني.

التماهي مع الثورة المعلوماتية والتجانس مع الخطاب الكوني المعاصر لا يكون فقط بامتلاك مؤسسات الإعلام، من فضائيات وصحف ومجلات ومواقع إلكترونية وعنكبوتية، ولكن بجعل تلك المؤسسات في خدمة مشروع النهضة الجديد.

إن الدعوة للاندماج ينبغي أن تميز بين اندماج إيجابي يرفع في وجه ثقافتنا تحدي الانخراط في الحداثة والمعاصرة والإبداع، والمساهمة في مجالات الثقافة والفنون، وإصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبين اندماج سلبي يرفع في وجه الثقافة العربية تحدي الرضوخ للتبعية والتهميش وإلغاء الذات والتنازل عن الحقوق والهوية أمام قوى الهيمنة العالمية الجديدة.

الثقافة العربية الجديدة، مدعوة للدخول بالاختراق والتفاعل والاستجابة إلى الزمن الكوني، لأن المبادئ المعلنة في هذا الزمن تستجيب لحاجاتنا التاريخية. فنحن من أكثر الشعوب مصلحة في تحقيق التواصل والاندماج مع هذا الزمن الكوني، لأن ذلك سيكون عاملاً مساعداً في التعجيل بقطع المسافات الطويلة التي ينبغي علينا تجاوزها. إنها جدلية الضرورة التاريخية التي فرضت علينا من قبل الالتزام بمفاهيم العدل والتكافؤ، هي الجدلية ذاتها التي تفرض علينا الآن الدخول في رحاب إنساني أوسع، من دون أن يعني ذلك تنازلاً، أو ارتماء أعمى في أعتاب النظام العالمي الجديد، أو تحت أقدام جياده التي تفننت في هزيمتنا، وسحق إرادتنا.

ولسوف يكون من شأن هذا التحول في ثقافة النظرة إلى التاريخ والآخر والذات، أن يضيف الكثير من عناصر القوة لنا، ولن يتحقق ذلك إلا بإضافة صراع آخر إيجابي مع الذات من أجل الإصلاح والتنمية والحداثة، تستطيع من خلاله الأمة العربية النهوض من كبوتها من جديد، مستندة في ذلك إلى عمق حضاري وثقافي أصيل متعدد، ومتنوع، يتيح لنا أن نستعيد دورنا الحضاري المفقود، وأن نساهم بفعالية في ركب التطور الإنساني الأمام.