آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 9:13 ص

جانا لشراك العالي.. جانا جانا

سلمان محمد العيد

لم أكن أعرف أن مناسبة «لشراك» تتم في بداية شهر رجب الأصب، ولم أعرف من الأصل أن هذه المناسبة لها علاقة بمسألة دينية هي مولد الإمامين الباقر والهادي «عليهما السلام»، كل ما اعرفه أن الأطفال الصغار، خصوصا الفتيات يقصدن المساجد ويتراقصن فيها بأهازيج شعبية متوارثة..

لكن بعد أكثر من 40 عاما أعرف ذلك، بعد قراءة مقالة أخي العزيزعبدالعظيم شلي عن هذه المناسبة، التي تؤديها فتيات بتوجيه وإشراف من معلّمات القرآن، وهي بالمناسبة مقطوعة أدبية أكثر من رائعة من وجهة نظري

لم أعرف تلك المعلومة، رغم توافر جملة من العوامل تجعلني خبيرا في هذا الشأن، أو على الأقل تجعل هذه المعلومة في متناول يدي:

أولا: كنت اتفرج على الفتيات وهن يتراقصن وينشدن تلك الاهازيج المتوارثة والتي تذاع في مناسبة «لشراك» مثل ”دبا يادابي، خليلوه ضرب علووه،... الخ“ وأشعر بالسعادة وقد حفظت كل اغنياتهن عن ظهر قلب، وأتذكر بعض الفتيات واشكالهن، ولا زلن ماثلات في ذهني، فأنا وجيلي كنّا نتابع هذه البرامج والفعاليات، وكنّا متفرجين لا أكثر ولا أقل، وإذا زاد الأمر فهو أخذ بعض الحلويات بهذه المناسبة.

ثانيا: إن الدكتور عبدالله آل عبدالمحسن قد أخرج مسرحية عن «لشراك» في نادي الهدى، وكان يفترض أن أكون واحدا من الطاقم المؤدي للمسرحية، ودخلت بعض بروفات الإعداد لها والتي تمت بالمنزل المستأجر لمدرسة تاروت المتوسطة «وهو منزل نجم في الفسيل»، ولكن انتقال المناسبة من المدرسة إلى النادي، فضلا عن أن افتقادي لبعض المواصفات الفنية قياسا بتلك المتوافرة في أعضاء الطاقم ساهما في ابتعادي «أو إبعادي» عن المشاركة، التي تمت في تاروت أولا ثم انتقلت لأكثر من موقع في المملكة.

ثالثا: إن خالتي مريم «ام عباس الصفار» كان معلمة، وبنت عم الوالدة الحاجة ميمونة بنت جعفر الصفار هي الأخرى معلمة، وكانتا تقومان بالدور نفسه في الاحتفالية.. والأكثر من ذلك أن منزلنا الكائن في الديرة كان مدرسة يشهد حضور الفتيات عند زوجة العم المرحوم الحاج حسن العيد «المعلمة زهرة بنت الحاج صالح الصفار» ويفترض أن الطالبات اللائي يطلق عليهن «أوليدات» يتلزمن بالمناسبة، كما شهدت التزامهن بالوفيات والمواليد وغير ذلك.

مع كل هذه العوامل لم أفهم أن «لشراك» يقام أول رجب وبهذه المناسبة الدينية لولا أخي عبدالعظيم آل شلي، مع أني قد حاولت فهم القصة من أكثر من طرف معني برصد هذه الظواهر، فكنت أنا بكل تواضع أكثر ورودا من بعضهم، وحتى الدكتور آل عبدالمحسن «وهو رائد الأبداع المسرحي في ذلك الزمن الجميل» لم يوضح بأن المناسبة بداية رجب، مع أنه غطى المناسبة وأورد كافة أهازيجها بطريقة فنية رائعة، ولم تكن صعبة على الممثلين، الذين هم مثلي يحفظونها عن ظهر قلب، حتى أن الاخراج المسرحي والأداء والصور والرسومات أعطت تلك المسرحية صورة رائعة، سعدنا بالتفرج عليها، رغم أنهم أخذوا علينا تذكرة بريال.

من هذه الظاهرة أو المناسبة نخرج بما يلي:

أولا: إن معظم أعيادنا ومناسباتنا الاجتماعية في القطيف «وفي تاروت بوجه خاص» لها بعد ديني، وإن لم يعلن عنه بشكل مباشر، ف ”الكريكشون“، او ”القرقيعان“ هي مناسبة مولد الإمام المهدي والإمام الحسن «عليهما السلام»، و”الدوخلة“ هي مناسبة عودة الحجاج من الرحاب المقدسة، وأخيرا بالنسبة لي تأتي مناسبة «لشراك» بأنها مناسبة دينية مع مطلع رجب، وأظن أن الاحتفال بأعياد الفطر والأضحى والغدير والجمعة والإسراء والمعراج والمبعث كلها مناسبات دينية وأعياد، ولها أعمال عبادية معينة، وإن كان عيدا الأضحى والفطر يكتسبان شئيا من الخصوصية من ناحية تشريع صلاة العيدين بالطريقة المعروفة.. فالدين عندنا وعند آبائنا وأجدادنا ليس ضد الفرح وليس ضد البهجة، وليس صحيحا ذلك الذي يصوّرنا بأننا أهل حزن وكآبة، ولكننا نحتفل بالمواليد كما نحتفل بالوفيات، ولكل مناسبة لها طريقتها الخاصة، ولا أرغب في دخول معمعمة ”العك“ التي تضع كل ذلك في قائمة البدع التي تدخل صاحبها النار «أعوذ بالله».

ثانيا: إن حالة الإبداع متفشية لدى المجتمع منذ القدم، فهو يبدع طرائق مختلفة للفرح والحزن، ويعبر عن شعوره، وكل ذلك يتم بطريقة بعيدة كل البعد عن الابتذال السلوكي واللفظي، فإذا كانت الفتيات يحتفلن بالمناسبة في بداية رجب، فالجيل الحالي نسي تلك الطريقة، وله طريقة أخرى في الاحتفال، كما له طريقة أخرى في الحزن، بالتالي فالتفاصيل متاحة للجميع، ولكن يبقى الأساس، فالمولد النبوي الشريف له طريقة للاحتفال، أضيفت لها الهوسات العراقية والمواويل البحرية «اليامال»، كذلك العزاء على وفيات النبي وآله الطاهرين، كان في الزمن الماضي يتم بطريقة الحلقتين، نجدها في الوقت الحاضر محدودة وتم استبدالها بطريقة المواكب القادمة من البحرين واللطميات القادمة من العراق، ومسيرة الأبداع سائرة.. فمجتمعنا هو مجتمع الإبداع في كل شيء.

شكرا اخي عبدالعظيم آل شلي، وآسف على الإطالة، عذري أني لم التزم بكوني طالبا عند أي من المعلمات القريبات منّي، وإذا كانت زوجة عمي اقتصرت نشاطها التعليمي على الفتيات، وكذلك الحاج ميمونة فإن خالتي ام عباس كانت تسكن حسينية بن جمعة وكانت تعلم الصبيان والفتيات معا، لكن لم أحظ بهذا الشرف فأنا من جيل المدارس.