آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

بين الإدارة والحل في الصراعات الدولية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

يستوحي هذا الحديث عنوانه من مذكرات وزير الخارجية المصري، عمرو موسى في الفترة من أواخر عام 1990 إلى عام 2000، والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، ورئيس لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري عام 2014، والذي حمل عنوان «كتابيه».

صدر الجزء الأول من الكتاب، الذي ينتظر أن يكون من ثلاثة أجزاء، عن «دار الشروق» بالقاهرة عام 2017. وقد اختار الكاتب أن ينهي الجزء الأول، مع نهاية دوره كوزير لخارجية مصر.

لا يهدف هذا الحديث لتقديم قراءة نقدية لتلك المذكرات، فذلك أكثر بكثير مما نتطلع له. سنتناول هنا الموضوع الذي حمل عنوان هذا الحديث، وهو التمييز الدقيق الذي استخدمه موسى، بين حل الصراع وإدارته. وقد قدم ذلك في سياق تاريخي، تناول السياسة «الإسرائيلية»، تجاه الصراع مع العرب بشكل عام، والفلسطينيين بشكل خاص.

من خلال عرض تفصيلي واضح، يشير الكاتب إلى أن قادة «إسرائيل»، لم يفكروا يوماً في التسليم بأي من حقوق الفلسطينيين، ولم يتخلوا أبداً عن نهجهم التوسعي. وقد أفصحوا عن هذه النوايا مراراً وتكراراً، لكنه لم يكن بمقدورهم إدارة ظهرهم باستمرار للمبادرات الدولية، الهادفة لتسوية صراعاتهم مع العرب والفلسطينيين بشكل سلمي.

لقد اعتبروا المبادرات السلمية والقرارات الدولية فسحة لهم، لقضم المزيد من الحقوق الفلسطينية، من خلال التسريع في بناء المستوطنات، وإقامة المعابر والجدران العازلة، وتصفية القيادات التاريخية الفلسطينية، والتنكر متى ما أمكنهم ذلك للقرارات الدولية ذات العلاقة بالحقوق الفلسطينية، وعلى رأسها قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، اللذين أكدا عدم جواز احتلال الأراضي بالقوة، وطالبا «إسرائيل» بالانسحاب من الأراضي العربية والفلسطينية، التي تم احتلالها في حرب يونيو عام 1967.

تناولت مذكرات موسى أيضاً، الانحياز الأمريكي الفاضح لـ «إسرائيل»، وحيلولة الإدارة الأمريكية على الدوام دون مراقبة المجتمع الدولي، للنشاطات النووية «الإسرائيلية»، وتغاضيها عن رفض العدو «الإسرائيلي»، الانضمام لمعاهدة حظر الأسلحة النووية.

هذا التفصيل الدقيق الذي أورده موسى، للموقفين الأمريكي و«الإسرائيلي» لن يكون بالمقدور استيعابه، وفهم أسبابه إلا بوعي الخلل في توازن القوة في الصراع بين العرب وخصمهم التاريخي، وهو خلل للأسف كبير، لا يشمل فقط الفوارق الجسيمة في القوة العسكرية، ولكن أيضاً في انعدام الإرادة ووحدة القرار، واستمرار حالة التشظي على المستوى العربي.

وطالما استمر هذا الخلل، سيستمر العجز العربي، في إجبار عدوهم على الانتقال من استراتيجية إدارة الصراع، إلى استراتيجية أخرى، تقبل بحل الصراع، على أسس متوازنة ومتكافئة، تؤمن حق الشعب الفلسطيني المظلوم في الحرية وتقرير المصير، وتتمسك بعروبة القدس وبحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

واقع الحل، أن إدارة الصراع هي مفهوم سياسي، لا يشمل صراع العرب مع «الإسرائيليين»، بل هو قانون يجري تطبيقه في كل سياسات الدول، حيثما غاب ميزان العدل، وغاب التوازن في موازين القوة الدولية.

وهو أوضح ما يكون في الصراعات الدولية، على الأقل في المدى المنظور منذ بداية القرن الماضي، وحتى يومنا هذا.

لنأخذ على سبيل المثال، موضوع نزع الأسلحة النووية من الدول الكبرى، وهو موضوع قديم بدأ طرحه مباشرة، بعد عدة أشهر من أول استخدام للسلاح النووي في التاريخ البشري، حين قصف الأمريكيون «هيروشيما ونجازاكي»، اليابانيتين، بالسلاح النووي.

فمنذ ذلك الحين، واجتماعات الحد من السلاح النووي مستمرة، بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، سابقاً، وبعده مع روسيا الاتحادية، دون نتائج تذكر. لقد تضاعفت أعداد الرؤوس النووية التي تملكها القوى الكبرى، منذ ذلك التاريخ مئات المرات، ولم تحقق المؤتمرات والمعاهدات والمواثيق أية نتائج تستحق الذكر، لجعل كوكبنا الأرضي الجميل، أكثر أمناً وسلاماً.

بالنسبة لبقية الدول المنضمة لنادي السلاح النووي، وهي كما هو مؤكد حتى الآن تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، و«إسرائيل» والهند وباكستان وكوريا الشمالية، يمكن القول إن هذه الدول، ما كان لها أن تمتلك سلاح الردع النووي لو لم تستند على ظهير أممي يدعمها، ويقف خلف قراراتها الاستراتيجية.

حتى الآن يمكن القول بوجود نوع يقترب من التعادل، فباكستان و«إسرائيل»، حليفتان للغرب، والهند وكوريا الشمالية حليفتان للشرق، مع فارق كبير بين سياسات كوريا الشمالية والهند.

وبالنسبة للأعضاء الدائمين، لا يمكن مقاربة القوة الصينية أو الروسية، مع نظرائها في بريطانيا أو فرنسا، ذلك أن الأخيرتين، تستندان في قوتهما على كونهما عضوان في حلف الناتو، الذي تقوده الولايات المتحدة.

التعويل على النوايا الحسنة، والجهود الدبلوماسية لتغيير واقع الحال، في السياسات الدولية، هو أقرب إلى التعويل على الوهم. وإذا أراد العرب أن يكون لهم دور فوق هذا الكوكب، فلن يكون ذلك ممكناً إلا بصياغة استراتيجية عربية، عملية والتسامي فوق الخلافات، وإعادة الاعتبار للتضامن العربي، المستند على احترام السيادة الوطنية وعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية، والتخطيط لتحقيق التكامل السياسي والاقتصادي، بما يجعل منا ترساً فاعلاً في المسيرة الإنسانية، الصاعدة إلى أمام، وبما يفرض استراتيجية حل الصراع مع العدو، بدلاً من تمسكه بسياسة إدارة هذا الصراع.